قاله بعض المفسرين فى جملته لا فى تصويره. وصوره هو بنحو ما يأتى :
كل انسان يحكم لنفسه فى نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حفّية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه فى سبيل الله ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين ، فاذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصورو تقدم الكلام فى هذه المسألة آنفا). فالانسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلى إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره. ثم انها أيضا تنفى خبثه وزغله. كذلك كان الامر فى أحد : تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرا خالصا وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبى صلىاللهعليهوسلم وطمعوا فى الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب ، ولا لكسل ويتواكل ، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات ، وتبديل سنن الله فى المخلوقات بل خلق ليكون أكثر الناس جدا فى العمل ، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن.
أقول : وقد تجلى أثر هذا التمحيص أكمل التجلى فى غزوة حمراء الاسد اذ أمر النبى صلىاللهعليهوسلم أن لا يتبع المشركين إلا من شهد القتال بأحد ، فامتثلوا الامر بقلوب مطمئنة وعزائم شديدة وهم على ما هم من تبريح الجراح بهم كما تقدم بيانه. فليعتبر بهذا مسلمو هذا الزمان وليعلموا ما هو مقدار حظهم من الاسلام والايمان.
وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم لعدم الايمان الذى يثبت قلوب أصحابه فى الشدائد) حتى يذهب ما كان قد بقى من نور الفضيلة فى نفوسهم فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس ولا شىء من عزة النفس فيكون أحدهم كالهلال فى المحاق لا نور له ، بل يكون وجوده كالعدم ، لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه ، فذلك محقه إذا غلب على أمره واذا هو انتصر طغى وتجبر وبغى وظلم ، وذلك محق معنوى تكون عاقبته المحق الصورى كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين وإنما يبقون ظاهرين اذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
