ممن خلصوا لله وأخلصوا فى إيمانهم وأعمالهم فلم يظلموا أنفسهم بمخالفة الأمر أو النهى ، ولا بالخروج عن سنن الله فى الخلق وأنه تعالى لا يصطفى للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم ؛ وفى ذلك بشارة للمتقين ، وانذار للمقصرين ، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء فاذا ابتلوا تبين المخلص والصادق والظالم والمنافق وما أسهل ادعاء الاخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة. فبيان السبب مؤدب للمقصرين وقاطع لألسنة المدعين ، إلا أن يكونوا مع الاغبياء الجاهلين.
أقول : وفيه أيضا أن أعداءهم من المشركين لا يحبهم الله أى لا يعاملهم معاملة المحب للمحبوب لأنهم يظلمون أنفسهم ويسفهونها بعبادة المخلوقات واجتراح السيئات. ويظلمون غيرهم بالفساد فى الارض ؛ والبغى على الناس ، وهضم حقوقهم والظالم لا تدوم له سلطة ؛ ولا تثبت له دولة ، فاذا أصاب غرة من أهل الحق والعدل فكانت له دولة فى حرب أو حكم ؛ فانما تكون دولته سريعة الزوال ؛ قريبة الانحلال والاضمحلال ؛ وفيه تعريض أيضا بالمنافقين فانهم أظلم الظالمين.
ثم قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) قال فى الاساس محص الشىء محصا ومحصه ثمحيصا خلصه من كل عيب ومحص الذهب بالنار خلصه مما يشوبه ، ثم قال : ومن المجاز محص الله التائب من الذنوب ومحص قلبه ، ونمحصت ذنوبه وتمحصت الظلماء تكشفت قال :
|
حتى بدت قمراؤه وتمحصت |
|
ظلماؤه ورأى الطريق المبصر |
أقول : وأصل المحق النقصان كما قال الراغب ومنه المحاق لآخر الشهر وقال فى الاساس «محق الشىء محاه وذهب به... وسمعتهم يقولون فى كل شىء لا يحسن الانسان عمله : قد محقه ويقولون للهلكة : المحقة» قال بعض المفسرين : إن تمحيص المؤمنين عبارة عن تكفير ذنوبهم ومحو سيئاتهم وعبر عنه بعضهم بالتطهير والتزكية وروى عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. من السلف تفسير التمحيص بالابتلاء والاختبار وكأنه بيان لمبدأه دون غايته. وقال بعضهم يمحص الله بالمصائب ذنوب المؤمنين ويمحق نقوس الكافرين ورد الاستاذ قول من قال إن التمحيص تكفير الذنوب بأن المعهود من القرآن التعبير عن هذا المعنى بالتكفير وأن للتمحيص هنا معنى آخر يتفق مع ما
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
