هذه سنة من تلك السنن ، وهى ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين والمداولة فى الواقع تكون مبنية على أعمال الناس ، فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافا وانما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها. أى إذا علمتم أن ذلك سنة فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لانكم تعلمون أن الدولة تدول. والعبارة تومىء الى شىء مطوىّ كان معلوما لهم ، وهو أن لكل دولة سبب ، فكأنه قال : إذا كانت المداولة منوطة بالاعمال التى تفضى اليها كالاجتماع والثباث وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الاهبة واعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الاعمال وتحكموها أتم الاحكام. وفى الجملة من الايجاز وجمع المعانى الكثيرة فى الالفاظ القليلة ما لا يعهد مثله فى غير القرآن.
ثم قال عزوجل (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أى فعل ذلك ليقيم سنته فى مداولة الايام وليعلم الذين آمنوا من الذين نافقوا و (قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لَاتَّبَعْناكُمْ) أى يميزهم منهم. وقد تقدم ذكرهم فى اجمال القصة وسيأتى ذكر لهم فى الآيات فهو معطوف على محذوف تذهب العقول فى تعيينه كل مذهب ، وتبحث عن حقيقته فى كل فج ، أو تلتمسه فى فوائد قاعدة جعل الايام دولا بين الناس ، وعدم حصر الظفر والنصر فى قوم دون قوم ، فكل ما وجدته يصلح حكمة وعلة لهذه القاعدة عددته من المطوى المحذوف. وأعمه ما أشرنا اليه آنفا وهو أن يقال فى التقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليقوم بذلك العدل ويستقر النظام ، ويعلم الناظر فى السنن العامة ، والباحث فى الحكمة الالهية البالغة ، أنه لا محاباة فى هذه المداولة ، وليعلم الذين آمنوا منكم ، لأن الجهاد الاجتماعى الذى يدال به قوم على قوم مما يظهر ويتميز به الايمان الصحيح من غيره.
وقال فى الكشاف «فيه وجهان احدهما أن يكون المعلل محذوفا معناه : وليتميز الثابتون على الايمان من الذين على حرف فعلنا ذلك ، وهو من باب التمثيل بمعنى فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت منكم على الايمان من غير الثابت والا فان الله عزوجل لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. وقيل معناه : ليعلمهم علما يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجودا منهم الثبات. والثانى أن تكون العلة محذوفة وهذا عطف عليه معناه وفعلنا ذلك أى مداولة الأيام) ليكون كيت وكيت أى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
