بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا فى «أحد» وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعى فى مثل الحال التى كانوا عليها؟ والجواب : أن المراد بالنهى ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفا ، كأنه يقول انظووا فى سنن من قبلكم تجدوا انه ما اجتمع قوم على حق واحكموا أمرهم وأخذوا اهبهم وأعدوا لكل أمر عدته ، ولم يظلموا أنفسهم فى العمل لنصرته ، الا وظفروا بما طلبوا ، وعوضوا مما خسروا ، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم ، وولوهما جهة ما يستقبلكم ، وانهضوا به بالعزيمة والحزم ، مع التوكل على الله عزوجل ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم ، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم فى مجموع الوقعتين ـ بدر وأحد ـ اذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم ، على كثرتهم وقلتكم ، أو جملة (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) معترصة يراد بها التبشير بما يكون فى المستقبل من النصر ، وهما قولان للمفسرين وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهى مرتبطة بالايمان الصحيح الذى لا شائبة فيه فان من اخترق هذا الايمان فؤاده وتمكن من سويدائه ، يكون على يقين من العاقبة ، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة والأسباب المطردة ولذلك قال (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ومثل هذا الشرط كثير فى القرآن وهو ليس للشك ، وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله ومحاسبة نفسه على اعماله.
قال الاستاذ الامام فى الدرس : رأيت النبى صلىاللهعليهوسلم ليلة الخميس الماضية غرة ذى القعدة سنة ٣٢٠) فى الرؤيا منصرفا مع أصحابه من أحد وهو يقول «لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة» أى لما فى الهزيمة من التأديب الالهى للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشىء يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر ، وأخذ الاهبة وغير ذلك من الاسباب والسنن.
ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) قرأ حمزة والكسائى وابن عياش عن عاصم «قرح» بضم القاف والباقون بفتحها. قال كثير من المفسرين : إن القرح بالفتح والضم واحد فهو كالضعف فيه اللغتان ، ومعناه الجرح. وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها. ورجح ابن جرير قراءة الفتح فال «لا جماع أهل التأويل على أن معناه القتل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
