الباطل قد ثبت باستناده إلى ما معهم من الحق وهو فضيلة الاجتماع والتعاون والثبات فالفضائل لها عماد من الحق فاذا قام رجل بدعوى باطلة ولكن رأى جمهور من الناس أنه محق يدعو إلى شىء نافع وأنه يجب نصره فاجتمعوا عليه ونصروه وثبتوا على ذلك فانهم ينجحون معه بهذه الصفات. ولكن الغالب أن الباطل لا يدوم بل لا يستمر زمنا طويلا لانه ليس له فى الواقع ما يويده بل له ما يقاومه فيكون صاحيه دائما متزلزلا فاذا جاء الحق ووجد أنصارا يجرون على سنة الاجتماع فى التعاون والتناصر ، ويؤيدون الداعى إليه بالثبات والتعاون ، فانه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله ، فان شابت حقهم شائبة من الباطل ، أو انحرفوا عن سنن الله فى تأييده ، فان العاقبة تنذرهم بسوء المصير. فالقرآن يهدينا فى مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ومن السير على سنن الله فى طلبه وفى حفظه وان نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.
وأقول إيضاح النكنة فى جعل البيان للناس كافة والهدى والموعظة للمتقين خاصة هو بيان أن الارشاد عام وأن جريان الامور على السنن المطردة حجة على جميع الناس مؤمنهم وكافرهم تقيهم وفاجرهم ؛ وهى تدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهه على الاسلام إذ قالوا لو كان محمد صلىاللهعليهوسلم رسولا من عند الله لما نيل منه. فكأنه يقول لهم : ان سنن الله حاكمة على رسله وأنبيائه كما هى حاكمة على سائر خلقه. فما من قائد عسكر يكون فى الحالة التى كان عليها المسلمون فى احد ويعمل ما عملوا الا وينال منه أى لا يخالفه جنده ، ويتركون حماية الثغر الذى يؤتون من قبله ، ويخلون بين عدوهم وبين ظهورهم ، وما يعبر عنه بخط الرجعة من مواقعهم ، والعدوّ مشرف عليهم ، الا ويكونون عرضة للانكسار إذا هو كرّ عليهم من ورائهم ، لا سيما إذا كان ذلك بعد فشل وتنازع كما يأتى بيانه. فما ذكر من ان لله تعالى سننا فى الامم هو بيان لجميع الناس لاستعداد كل عاقل لفهمه ، واضطراره إلى قبول الحجة المؤلفة منه ، إلا أن يترك النظر أو يكابر ويعاند.
وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة فهو انهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقيقة ، ويتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع فيستقيمون على الطريقة ، هم الذين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
