بينها تعالى قبل ذلك فى سورة الأنفال بقوله (٨ : ٥ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ـ وإن تبرم الرسول من الكافرين ودعا على رؤسائهم ، فكان ذلك فرصة لاعلام المؤمنين بحقيقة من حقائق دين الفطرة ، وهى أن الرسول بشر ليس له من أمر العباد ولا من أمر الكون شىء ، وإنما هو معلم وأسوة حسنة فيما يعلمه والأمر كله لله كما صرح به فى الآية ١٥٤ يدبره بمقتضى سننه كما نص على ذلك فى الآية ١٣٧ وكلا الآيتين من هذا السياق.
هذا البيان الالهى فى هذه الواقعة يتمكن فى النفوس ما لا يتمكن لو لم يكن مقرونا بواقعة مشهودة لا مجال معها لتأويله ولا لتخصيصه أو تقييده ، فهو من أقوى دعائم التوحيد فى القرآن ؛ ودلائل نبوة النبى صلىاللهعليهوسلم اذ لو كان النبى صلىاللهعليهوسلم مؤسس ملك ؛ وزعيم سياسة يديرها بالرأى ، لما قال مثل هذا القول ؛ فى مثل هذا الموطن ، فماى نصيب من هذا الدين للذين يجعلون أمر العباد وتدبير شئون الكون لطائفة من أصحاب القبور أو الأحياء ، الذين يلقبون بالمشايخ والأولياء ، فيزعمون أنهم ينصرون ويخذلون ، ويسعدون ويشقون ، ويميتون ، ويحيون ، ويغنون ويفقرون ، ويمرضون ويشفون ، ويفعلون كل ما يشاءون ،؟؟ هل يعد هؤلاء من أهل الاسلام ، وأتباع القرآن ، الذى يخاطب خاتم النبيين والمرسلين ، حين لعن رؤساء المشركين ، الذين حاربوه حتى خضبوا بالدم محياه ، وكسروا إحدى ثناياه ، بقوله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) وقوله (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)؟ هذا تعليم القرآن الحكيم ، وهذا هديه القويم ، فهل كان أهل بخارى مهتدين به عند ما كانوا يقولون وقد علموا بعزم روسيا على الاستيلاء على بلادهم : إن «شاه نقشبند» هو حامى هذه البلاد فلن يستطيعها أحد؟ هل كان أهل فاس مهتدين به عند ما لجأوا إلى قبر ولبهم «إدريس» ، يستغيثونه ويستفتحون به على الفرنسيس ، هل كان المسلمون على شىء من هدى هذا الدين عند ما كانوا يستنصرون بقراءة البخارى أو يستغيثون بالأولياء فى بلاد كثيرة؟ أيزعمون ان تلك النزعات الوثنية تعد من الدعاء المشروع؟ ألم يعتبروا بهذه الآية وما رواه أهل الصحيح فى سببها وهو دعاء النبى على رؤساء المشركين حين فعلوا ما فعلوا؟ ألم يتعلموا من ذلك أن الاستعداد بالفعل ، مقدم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
