سلك إلى أحد أقرب الطرق وأخفاها عن العدو وعسكر فى أحسن موضع وهو الشعب الوادى) وجعل ظهر عسكره إلى الجبل وجعل الرماة من ورائهم ، فلما اختل بعض هذه التدبيرات لم ينتصروا.
وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته ، بل روى عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر ، وفيما عداه كانوا عددا ومددا لا يقاتلون. وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال : ان الملك الواحد يكفى فى إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط. فاذا حضر هو يوم بدر فأى حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أى فائدة فى إرسال سائر الملائكة؟ وأيضا فان أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم ، وأيضا لو قاتلوا فاما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أولا ، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ، ولأنه خلاف قوله (٨ : ٤٤ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) ولو كانوا فى غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد فى قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة ؛ وعلى الثانى كان يلزم جز الرءوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب ان يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف. وأيضا إنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل. وإن كانوا أجساما لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول ، اه ذكر ذلك الرازى والنيسابورى. فالرازى أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله : الحجة الأولى ـ الحجة الثانية الخ ؛ ولخصه النيسابورى عنه بما ذكرناه واعترض الرازى عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين ، وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجا.
ليس فى القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازى على أبى بكر الأصم ، وإنما جاء ذكر الملائكة فى سياق الكلام عن غزوة بدر فى سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بامداد المؤمنين بألف من الملائكة
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
