الزيادة فى مادته كمد النهر بنهر أو سيل آخر. قال تعالى (٢٣ : ٥٥ أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ٥٦ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ؟) فالامداد يكون بالمال وهو ما يتمول وينتفع به ويكون بالاشخاص. والامداد بالملائكة يصح أن يكون من قبيل الامداد بالمال الذى يزيد فى قوة القوم وأن يكون من الامداد بالاشخاص الذين ينتفع بهم ولو نفعا معنويا وذلك أن الملائكة أرواح تلابس النفوس فتمدها بالالهامات الصالحة التى تثبها وتقوى عزيمتها ، ولذلك قال عزوجل (وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) قال ابن جرير : يعنى تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) يقول وكى تطمئن بوعده الذى وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن اليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) يعنى وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذى يأتيكم من الملائكة اهـ.
وأقول : الظاهر أن يكون التقدير وما جعل الله ذلك القول الذى قاله لكم الرسول وهو (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) الخ إلا بشرى يفرخ بها روعكم وتنبسط به أسارير وجوهكم وطمأنينة لقلوبكم التى طرقها الخوف من كثرة عدوكم واستعدادهم. أى إن قول الرسول له هذا التأثير فى تقوية القلوب وتثبيت النفوس. وإنما أرجعنا ضمير «جعله» إلى قول الرسول صلىاللهعليهوسلم لا إلى وعد الله عزوجل لأن الآيتين السابقتين ليستاوعدا من الله بالامداد بالملائكة وإنما هما إخبار عما قاله الرسول صلىاللهعليهوسلم فقد أخبر تعالى فى تينك الآيتين أن رسوله قال لأصحابه ذلك القول وبين فى هذه الآية فائدة ذلك القول ومنفعته مع بيان الحقيقة وهى أن النصر بيد الله العزيز أى القوى الذى لا يمتنع عليه شىء الحكيم الذى يدبر الأمر على خير سنن ، ويقيمه بأحسن سنن ؛ فيهدى لأسباب النصر الظاهرة والباطنة من يشاء ؛ ويصرف عنهما من يشاء ، فان حصل الامداد بالملائكة فعلا فما يكون إلا جزءا من أجزاء سبب النصر أو فردا من أفراده ومنه إلقاء الرعب والخوف فى قلوب الأعداء ، ومنه سائر الأسباب المعروفة من الصبر والثبات وحسن التدبير ومعرفة المواقع وغير ذلك فان النبى صلىاللهعليهوسلم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
