فى الصلاة ، فهو يفيد بمقتضى السياق معنى خبريا وبمقتضى الصيغة معنى انشائيا ، وهو وجوب الحج على المستطيع من هذه الامة. أشار إلى ذلك الاستاذ الامام بقوله : هذه الجملة ـ وإن جاءت بصيغة الايجاب ـ هى واردة فى معرض تعظيم البيت ، وأى تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه؟ وما زالوا يحجونه من عهد ابراهيم إلى عهد محمد صلّى الله عليهما وعلى آلهما وسلم. ولم يمنع العرب عن ذلك شركها ، وإنما كانوا يحجون عملا بسنة إبراهيم. يعنى أن الحج عمل عام جروا عليه جيلا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم ، وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم. فهى أصح من نقول المؤرخين التى تحتمل الصدق والكذب. وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب ، وثبت أن النبى على ملة إبراهيم دونهم.
أما الحج فمعناه فى أصل اللغة القصد ، ـ وهو بكسر الحاء ـ وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ، وفتحها. وبه قرأ الباقون. وقيل : الفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد. وقد تقدم تفصيل أعماله فى تفسير آيات سورة البقرة. وأما استطاعة السبيل : فهى عبارة عن القدرة على الوصول اليه. وهى تختلف باختلاف الناس فى أنفسهم وفى بعدهم عن البيت وقربهم منه. وكل مكلف أعلم بنفسه ـ وان كان عاميا ـ من غيره وإن كان عالما نحريرا. وما زاد الناس اختلاف العلماء فى تقسير الاستطاعة إلا بعدا عن حقيقتها الواضحة من الآية أتم الوضوح إذ قال بعضهم : إن الاستطاعة صحة البدن والقدرة على المشى. وقال بعضهم : انها القدرة على الزاد والراحلة. واشترطوا فيها : أمن الطريق ، ولم يشترطوا الأمن فى أرض الحرم ، لأنها كانت آمنة قطعا. وأما فى هذا الزمان فما كل أحد يأمن فيها ؛ لا سيما إذا كان متهما بالاشتغال بالسياسة. وكيف؟ وقد ألقى بعض علمائها فى ظمة السجن مكبلا بالسلاسل والاغلال ، ولا ذنب له إلا أنه ألف كتابا أيد فيه التوحيد (١) وبين فساد ما طرأ على الناس من نزغات الوثنية التى يعبرون عنها بالتوسل بالأولياء.
__________________
(١) هو الشيخ أبو بكر خوقير رحمهالله. ألف كتاب فصل المقال فى توسل الجهال. فعاقبه الحسين بن على بالسجن هو وابنه ، حتى مات ابنه فى السجن. وما خرج الشيخ ابو بكر إلا بعد دخول الملك آل سعود وكتبه المعتصم رضا.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
