المكث. أما نحن فنقول : ما كل ما يسمى إيمانا يعصم صاحبه من الخلود فى النار ، الايمان إيمانان ـ إيمان لا يعدو التسليم الاجمالى بالدين الذى نشأ فيه المرء أو نسب اليه ، ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه ، وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالايمان ، متمكنة فى العقل بالبرهان ، مؤثرة فى النفس بمقتضى الاذعان ، حاكمة على الارادة المصرفة للجوارح فى الاعمال ، بحيث يكون صاحبها خاضعا لسلطانها فى كل حال ، إلا مالا يخلو عنه الانسان ، من غلبة جهالة أو نسيان ، وليس الربا من المعاصى التى تنسى أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش ، كالحدة وثورة الشهوة ، أو يقع صاحبها منها فى غمرة النسيان كالغيبة والنظرة ، فهذا هو الايمان الذى يعصم صاحبه باذن الله ، من الخلود فى سخط الله ، ولكنه لا يجتمع مع الاقدام على كبائر الاثم والفواحش عمدا ، إيثارا لحب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والمصالح. وأما الايمان الاول فهو صورى فقط ، فلا قيمة له عند الله تعالى لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والاقوال ، ولكن ينظر إلى القلوب والاعمال ، كما ورد فى الحديث. والشواهد على هذا الذى قررناه فى كتاب الله تعالى كثيرة جدا وهو مذهب السلف الصالح ، وان جهله كثير ممن يدعون اتباع السنة حتى جرءوا الناس على هدم الدين ، بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين وإن لم يعمل به حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال إننى لا أنكر أننى آكل الربا ولكننى مسلم أعترف بأنه حرام. وقد فاته أنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد وبأنه يرضى أن يكون محاربا لله ولرسوله وظالما لنفسه وللناس كما سيأتى فى آية أخرى فهل يعترف بالملزوم أم ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ نعوذ بالله من الخذلان.
ثم بين الله تعالى الفرق بين الربا والصدقة ، إذ جاء الكلام عنه بعد الكلام عنها ببيان أثرهما فقال (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) فسروا محق الله الربا باذهاب بركته واهلاكه أو اهلاك المال الذى يدخل فيه وقد اشتهر هذا حتى عرفه العامة فهم يذكرون دائما ما يحفظون من أخبار آكلى الربا الذين ذهبت أموالهم وخربت
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
