عما نهى الله عنه فله ما كان أخذه فيما سلف من الربا لا يكلف رده إلى من أخذه منهم ، بل يكتفى منه بأن لا يضاعف عليهم بعد البلاغ شيئا (وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ) يحكم فيه بعدله ، ومن العدل أن لا يؤاخذ بما أكل من الربا قبل التحريم وبلوغه الموعظة من ربه ، ولكن العبارة تشعر بأن إباحة أكل ما سلف رخصة للضرورة وتومىء إلى أن رد ما أخذه من قبل النهى إلى أربابه الذين أخذ منهم من أفضل العزائم ألم تر أنه عبر عن إباحة ما سلف باللام ولم يقل كما قال بعد ذكر كفارة صيد المحرم (٥ : ٩٥ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ) وأنه عقب هذه الاباحة بإيهام الجزاء وجعله إلى الله والمعهود فى أسلوبه أن يصل مثل ذلك بذكر المغفرة والرحمة ، كما قال فى آخر آية محرمات النساء (٤ : ٢٣ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) أباح أكل ما سلف قبل التحريم وأبهم جزاء آكله. لعله يغص بأكل ما فى يده منه فيرده إلى صاحبه ، ولكنه صرح بأشد. الوعيد على من أكل شيئا بعد النهى فقال (وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أى ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه فأولئك البعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم الذى لا ينهاهم إلا عما يضربهم فى أفرادهم أو جميعهم هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها.
وقد أول الخلود المفسرون لتتفق الآية مع المقرر فى العقائد والفقه من كون المعاصى لا توجب الخلود فى النار. فقال أكثرهم إن المراد : ومن عاد إلى تحليل الربا واستباحته اعتقادا : ورده بعضهم بأن الكلام فى أكل الربا وما ذكر عنهم من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم فهو ليس بمعنى استباحة المحرم ، فاذا كان الوعيد قاصرا على الاعتقاد بحله لا يكون هناك وعيد على أكله بالفعل. والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء يجب إرجاع كل قول فى الدين اليه ولا يجوز تأويل شىء منه ليوافق كلام الناس. وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود فى آية قتل العمد ، وليس هناك شبهة فى اللفظ على إرادة الاستحلال. ومن العجيب أن يجعل الرازى الآية هنا حجة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة فى النار ، انتصارا لأصحابه الأشاعرة. وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم للخلود بطول
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
