مَعْلُومٌ (٢٥) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) أى إن السائل المؤمن يحمل على الصدق فى انه لم يسأل إلا لحاجة تبيح له السؤال المحرم كتحمل غرم أودية أو ضرورة عارضة فما كل سائل يسأل لفقره هو. فالأستاذ الامام رحمهالله تعالى كان يسأل بعض أصدقائه الموسرين أى يطلب منهم المال للجمعية الخيرية ولغيرها من أعمال البر. وما كل من يسأل لنفسه يسأل تكثرا ويجعل السؤال حرفة. والأصل فى المؤمن ان يكون عزيز النفس متنزها عن الحرام فلا يسأل إلا لضرورة تبيح له السؤال فينبغى أن يجعل الغنى قدرا معينا من ماله الذى يعده للصدقات لما يعرض من أمثال هذه الحاجات أو الضرورات. ومن يعلم انه يسأل لنفسه تكثرا كالشحاذين الذين جعلوا السؤال حرفة وهم قادرون على العمل فلا يعطون إذ لا حق لهم فى هذا المال كما علم من الأحاديث السابقة وقد رأى عمر رضى الله عنه سائلا يحمل جرابا فأمر أن ينظر ما فيه فاذا هو خبز فأمر بأن يؤخذ منه ويلقى إلى ابل الصدقة.
ثم قال تعالى بعد بيان أحق الناس بالصدقة (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه حسن النية فيه وتحرى النفع به ووضعه فى موضعه وإيتائه أحق الناس فأحقهم به ، فهو يجازى عليه بحسب ذلك. فالجملة تذييل مرغب فى الانفاق على الوجه الذى سيقت الهداية اليه.
((٢٧٤) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل ما تقدم من الآيات فى الانفاق كان فى الترغيب فيه وبيان فوائده فى أنفس المنفقين وفى المنفق عليهم وفى الأمة التى يكفل أقوياؤها ضعفاءها وأغنياؤها فقراءها ويقوم فيها القادرون بالمصالح العامة وفى آداب النفقة وفى المستحق لها وأحق الناس بها ونحو ذلك من الأحوال إلا ما يتعلق بالزمان ، فقد ذكره الله تعالى فى قوله (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) وفيه بيان عموم الأوقات مع عموم الاحوال من الاظهار والاخفاء ، وفى تقديم الليل على النهار والسر على العلانية ايذان بتفضيل صدقة السر ولكن الجمع بين السر والعلانية يقتضى أن لكل منهما موضعا
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)