ثم قال فى قوله تعالى (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أى فى الآخرة لا ينقصكم منه شىء وعد أولا بأن خير الانفاق عائد على المنفقين فى الدنيا بقوله (فَلِأَنْفُسِكُمْ) ثم وعد بالجزاء عليه فى الآخرة موفى تاما وقال (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) أى لا تنقصون من الجزاء عليه شيئا ولو نقيرا أو فتيلا. أقول : وقد رأيت أنه جعل هنا قوله تعالى (فَلِأَنْفُسِكُمْ) خاصا بالدنيا وما نقلناه عنه أولا من أنه عام قد قاله فى الدرس ، فهل كان سبق لسان أم رجع عنه عند تمام تفسير الآية. وكيف فاتنا أن نسأله عن ذلك؟ هذا ما وجدته فى مذكرتى لا أذكر شيئا غير ذلك.
أقول : والذى كان تبادر إلى فهمى من قوله تعالى (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ) أنه بمعنى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أى إن أى نفقة من الخيرا نفقتم فهى تفيدكم فى تثبيت أنفسكم فى مقامات الاسلام والايمان والاحسان ، والحال أنّكم ما تنفقون ذلك إلا ابتغاء وجه الله وإزادة رضوانه. ومتى كان الانفاق كذلك كان مزكيا ومثبتا للنفس معدا لها ومؤهلا لرضوان الله لا يمنع من ذلك كون المنفق عليه مؤمنا أو كافرا إذ الانفاق ليس لأجل التقرب إليه وابتغاء الأجر منه وبعد أن ذكر الفائدة الذاتية للانفاق فى نفس المنفق ذكر الجزاء عليه بقوله (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) الخ أى وانكم على استفادتكم من الانفاق فى أنفسكم بترقيتها وجعلها مستحقة لقرب الله ورضوانه لا يضيع عليكم ما تنفقونه بل توفونه لا تظلمون منه شيئا ـ ويدخل فى ذلك الأجر عليه فى الدنيا والآخرة. والكلام على هذا التفسير أشد التئاما ، وأحسن نظاما ، فالجملتان الشرطيتان فيه متعاطفتان وقوله (وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ) جملة حالية قيد فى الشرطية الأولى وللانفاق على هذا فائدتان أولاهما وهى المقصودة بالذات : تثبيت نفس المنفق وترقيتها بالاخلاص لله ابتغاء وجهه. والأخرى الثواب عليه فى الدنيا والآخرة وهى دون الأولى عند العارفين.
وابتغاء وجه الله بالعمل هو أن يعمل له دون سواه تقربا اليه وإرضاء له لذاته لا للتشوف إلى شىء آخر ، كأن المراد بذلك عرضه عليه ومقابلته به فقط. ولا يفهم هذا حق فهمه إلا من عرف مراتب الناس ومقاصدهم فى خدمة الملوك. ذلك
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)