أقول : والخطاب على ما ورد فى حديث سعيد وحديث ابن عباس الأول خاص بالنبى صلىاللهعليهوسلم لنهيه عن الانفاق. وعلى هذا التوجيه عام موجه إلى المؤمنين كافة وإن جاء بضمير المخاطب المفرد. ويؤيده كونه فى سائر الآية بضمائر جمع المخاطبين. وإذا كان النبى صلىاللهعليهوسلم لم يكلف هداية الكافرين بالفعل وإنما كلف البلاغ فقط ، وأعلم أن أمر الناس فى الاهتداء مفوض إلى ربهم وما وضعه لسير عقولهم وقلوبهم من السنن فغيره أولى بأن لا يكلف ذلك. فليس علينا إذن أن نمنع الخير عن الكافر عقوبة له على كفره أو جذبا له الى الايمان واضطرارا له الى الهداية فان الهداية ليست علينا (وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) بتوفيقه الى النظر الصحيح المؤدى الى الاعتقاد الجازم الذى يثمر العمل. وأما الباعث على الانفاق فيجب أن يكون ما أرشدنا إليه سبحانه فى قوله (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) الخ. قالوا معنى هذا أن نفع الانفاق فى الآخرة خاص بكم. هكذا صرح بعضهم بتقييد النفع بالآخرة وقال الأستاذ الامام هنا : أى لأن نفعه عائد عليكم فى الدنيا والآخرة. وسيأتى أنه بجعله خاصا بالدنيا ، ومعنى كونه خيرا فى الدنيا أنه يكف شر الفقراء ويدفع عنهم أذاهم فان الفقراء إذا ضاق بهم الأمر واشتدت بهم الحاجة يندفعون إلى الاعتداء على أهل الثروة بالسرقة والنهب والايذاء بحسب استطاعتهم. ثم يسرى شرهم إلى غيرهم وربما صار فسادا عاما بسوء القدوة ، فيذهب بالامن والراحة من الأمة ، وقد تقدم لهذا الكلام نظير فى موضع آخر. (قال) وقوله تعالى (وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ) قد يكون خبرا على ظاهره ، أى لا تنفقون لأجل جاه أو مكانة عند المنفق عليه وإنما تنفقون لوجه الله فلا فرق بين معطى ومعطى إذا كان الفقير مستحقا يتقرب بازالة ضرورته إلى الرزاق الرحيم الذى لم يحرم أحدا من رزقه لاعتقاده. أقول ويؤيده قوله (١٧ : ٢٠ كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) (قال) : وفى كون الانفاق لا يكون إلا لوجه الله إشارة إلى أن الانفاق على الكافرين إذا كان إعانة لهم على إيذاء المسلمين لا يكون جائزا ، لأنه لا يكون مرضيا لله تعالى يبتغى به وجهه. وأكثر المفسرين على أنه خبر بمعنى النهى ، أى لا تنفقوا إلا لوجهه وابتغاء مرضاته عزوجل.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)