الخلف الذى يعطيه. وأقول إن من هذا الخلف الرزق المعنوى وهو الجاه الذى هو عبارة عن ملك القلوب فيدخل فيه ما قاله الأستاذ الامام رحمهالله تعالى (وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) فهو إذا وعد أنجز لسعة فضله. ثم إنه يعلم أين يضع مغفرته وفضله. بمثل هذا يفسرون هذه الأسماء فى هذه المواضع. وأقول إن اسم (عَلِيمٌ) يفيد هنا أنه سبحانه يعلم غيب العبد ومستقبله. والشيطان لا يعلم ذلك فوعده تغرير ، لا يعبأ به العاقل النحرير ومن مباحث اللفظ فى الآية : استعمال الوعد فى الخير والشر وهو شائع لغة ، ثم جرى عرف الناس أن يخصوا الوعد بالخير والايعاد بالشر. فاذا ذكروا الوعد مع الشر أرادوا به التهكم. على أن ما يعد به الشيطان من الفقر هو على تقدير الانفاق. ويلزمه الوعد بالغنى مع البخل الذى يأمر به.
ثم قال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) فيبين لنا بعد ذكر ما يعد هو جل شأنه به وما يعد به الشيطان ما نحن فى أشد الحاجة إليه للتمييز بين ما يقع فى النفس من الالهام الالهى والوسواس الشيطانى. وتلك هى الحكمة. فسر الأستاذ الامام الحكمة هنا بالعلم الصحيح يكون صفة محكمة فى النفس حاكمة على الارادة توجهها إلى العمل. ومتى كان العمل صادرا عن العلم الصحيح كان هو العمل الصالح النافع المؤدى إلى السعادة. وكم من محصل لصور كثير من المعلومات خازن لها فى دماغه ليعرضها فى أوقات معلومة لا تفيده هذه الصور التى تسمى علما فى التمييز بين الحقائق والأوهام ، ولا فى التزييل بين الوسوسة والالهام ، لأنها لم تتمكن من النفس تمكنا يجعل لها سلطانا على الارادة وإنما هى تصورات وخيالات تغيب عند العمل ، وتحضر عند المراء والجدل ، قال الأستاذ الامام ما معناه : والمراد بايتائه الحكمة من يشاء إعطاؤه آلتها ـ العقل ـ كاملة مع توفيقه لحسن استعمال هذه الآلة فى تحصيل العلوم الصحيحة فالعقل هو الميزان القسط الذى توزن به الخواطر والمدركات ، ويميز به بين أنواع التصورات والتصديقات ، فمتى رجحت فيه كفة الحقائق طاشت كفة الأوهام ، وسهل التمييز بين الوسوسة والالهام. أقول : وهذا القول يتفق مع ما روى عن ابن عباس من «أن الحكمة هى الفقه فى القرآن» أى معرفة ما فيه من الهدى والأحكام بعللها وحكمها. لأن هذا الفقه هو أجل الحقائق المؤثرة فى النفس الماحية لما يعرض لها من الوساوس حتى لا تكون مانعة من العمل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)