الانسان وبزره على أن منه ما ليس للناس فيه عمل ما ، أو ما لهم فيه إلا عمل قليل لا يكاد يذكر. قال بعضهم إن تقديم الكسب على ما يخرج الله من الأرض يدل على تفضيله ويعضده حديث البخارى مرفوعا «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده» واختلفوا فى الانفاق هنا. فقيل هو خاص بالزكاة المفروضة وقيل خاص بالتطوع ، وقيل يعمهما وهو الصواب. إذ لا دليل على التخصيص. واختلف الذين قالوا إن الآية فى الزكاة المفروضة هل تجب الزكاة فى كل ما يخرجه الله للناس من الأرض عملا بعموم اللفظ أم يخص ببعض ذلك. واختلف القائلون بالتخصيص فقال بعضهم إنه خاص بما يقتات به دون نحو الفاكهة والبقول ، وقال بعضهم غير ذلك. والآية فى نفسها جلية واضحة لا مثار للخلاف فيها وإنما جاء الخلاف من حملها على زكاة الفريضة مع إضافة ما ورد من الروايات القولية فى زكاة ما نخرج الأرض إليها. ومن جردها عن الآراء والروايات فهم منها أن الله تعالى يأمرنا بأن ننفق من كل ما ينعم به علينا من الرزق سواء كان سببه كسب أيدينا أو ما يخرجه لنا من نبات الأرض ومعادنها ، كل ذلك فضل منه يجب شكره له بنفقة بعض الجيد منه فى سبيله وابتغاء مرضاته. والآية لم تخصص ولم تعين مقدار ما ينفق بل وكلته إلى رغبة المؤمن فى شكر الله تعالى فان ورد دليل آخر يعبر بعض النفقات فله حكمه
أقول : لم يبق بعد هذا الترغيب والترهيب ، والتعليم الكامل والتأديب ، إلا أن يكون المؤمن بهذا الهدى أشد الناس رغبة فى الصدقة والانفاق فى سبيل الله بحسب سعته وحاله وأن يكون فى بذله مخلصا متحريا مواقع الفائدة مبتعدا بعد البذل عما يذهب بثمرته من المن والأذى. ولكنك تجد كثيرا من اللابسين لباس الايمان يتقلبون فى النعم وهم أشد الناس لها كفرا ، إذ كانوا أشد الناس إمساكا وبخلا ، وقد يعد هذا من مواطن العجب ، ولكن الكتاب الحكيم قد جاءنا بما له من العلة والسبب ، وأرشدنا إلى طريق التفصى منه والهرب ، فقال :
((٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ، وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)