عليهالسلام بما ذكر لرد ما بين أهل الكتابين فى شأنه عليهالسلام من التفريط والافراط.
ثم قال تعالى (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ، وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) قال الأستاذ الامام ما مثاله مبسوطا. إذا جرينا فى فهم الآية على تفسير مفسرنا (الجلال) وأضرابه نكون جبرية لا نقبل دينا ولا شرعا ولا يكون لنا فى الكلام عبرة لأنهم يقولون ما قصاراه إن الله تعالى هو الذى غرس فى قلوب هؤلاء الذين جاءوا من بعد الأنبياء بذور الخلاف والشقاق ، وقضى عليهم بما ألزمهم العدوان والاقتتال. فانه شاء أن يكونوا هكذا فكانوا مضطرين فى الباطن وإن كان لهم اختيار ما بحسب الظاهر : فلندع هذا ولننظر ما تدل عليه هذه الكلمات القليلة من اتفاق حكمة الله تعالى مع مشيئته فى خلق الانسان وسننه فى شؤونه الاجتماعية. لم يخلق الله الناس بقوى محدودة متساوية فى أفرادهم لا تتجاوز طلب ما به قوام الجسم بالالهام الفطرى والادراك الجزئى ، كالأنعام السائمة والطيور الحائمة ، بل خلق الانسان كما نعرفه الآن ـ جعل له عقلا يتصرف فى أنواع شعوره ، وفكرا يجول فى طرق حاجاته البدنية والنفسية ، وجعل ارتقاءه فى إدراكه وأفكاره كسبيا ينشأ ضعيفا فيقوى بالتدريج حسب التربية التى يحاط بها والتعليم الذى يتلقاه وتأثير حوادث الزمان والمكان والأسوة والتجارب فيه وجعل هداية الدين له أمرا اختياريا لا وصفا اضطراريا فهى معروضة أمامه يأخذ منها بقدر استعداده وفكره كما هو شأنه فى الاخذ بسائر أنواع الهداية والاستفادة من منافع الكون. هذه هى سنته تعالى فى الانسان وهى منشأ الاختلاف. فهو يقول لو شاء الله أن لا يجعل سنته فى تبليغ الدين وعرضه على الناس هكذا بأن يجعله من إلهاماتهم العامة وشعورهم الفطرى كشعور الحيوان وإلهامه ما فيه منفعته لكانوا فى هداية الدين سواء يسعدون به أجمعين فتمنعهم بيناته أن يختلفوا فيقتتلوا ولكنه خلق الانسان على غير ما خلق عليه الحيوان وكان ذلك سبب اختلاف أهل الاديان ، فمنهم من آمن إيمانا صحيحا فأخذ الدين على وجهه ، إذ فهمه حق فهمه ، ومنهم من لبسه مقلوبا وحكم هواه فى تأويله فكان كافرا به فى الحقيقة
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)