وهذا القليل لا يقال له قليل. وفى الأحاديث من ذكر خصائصه ما أفرد بالتأليف وهى مما يصح أن تعد من درجاته. وانك لترى العلماء مع هذا كله لم يتفقوا على أنه المراد فى الآية ، بل جوزوا أن يكون المراد بها إدريس عليهالسلام لقوله تعالى فى سورة مريم (١٩ : ٥٧ وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) على أن المكان ليس بمعنى الدرجات وجوز بعضهم أن يكون المراد بمعنى رفع الله درجات غير واحد من الرسل وهو بمعنى التفضيل المطلق فى قوله (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) وجعل بعض المتأخرين حمل (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) على نبينا صلىاللهعليهوسلم من التفسير بالرأى ، وبالغ فى التحذير منه ، وكيف يقبل هذا منه والآية جاءت بعد مطلق التفضيل بهذه الوجوه من التفصيل التى يمكن معرفتها بالدلائل على نحو ما قلنا وتفسير المبهم بالدليل ليس من التفسير بالرأى ، لا سيما إذا أيده السياق ورضى به الاسلوب. انما التفسير بالرأى هو ما يكون من المقلدين ينتحلون مذهبا يجعلونه أصلا فى الدين ، ثم يحاولون حمل الآيات عليه ولو بالتأويل والتحريف ، والأخذ ببعض الكتاب وترك بعض.
ثم قال تعالى (وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) البينات هى ما يتبين به الحق من الآيات والدلائل كما قال فى هذه السورة (٩٢ وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ) وروح القدس هو روح الوحى الذى يؤيد الله به رسله كما قال لنبينا (٤٢ : ٥٢ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) الآية. وقال له فى سورة النحل (١٦ : ١٠٢ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) وقال أبو مسلم : إن روح القدس عبارة عن الروح الطيبة المقدسة التى أيد بها عيسى عليهالسلام. وقد سبقت هذه العبارة فى آية (٨٧) من هذه السورة فلا نطيل فى اعادة تفسيرها ولعل النكتة فى ذكر اسم عيسى عليه الصلاة والسّلام : أن ما آتاه إياه لما كان مشتركا كان ذكره بالابهام غير صريح فى كونه ممن فضل به أو الرد على الذين غلوا فيه ، فزعموا أنه إله لا رسول مؤيد بآيات الله ظهر لى هذا عند الكتابة ، ثم راجعت تفسير أبى السعود فاذا هو يقول : وافراده
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)