المحمود عند الله. وإذا كان من يمن أو يؤذى بعد الانفاق بزمن بعيد لا يعتد الله بانفاقه ولا يأجره عليه ولا يقيه الخوف والحزن ، أفلا يكون المتعجل به أجدر بذلك؟ بلى ، وإنما الكلام فى السخى الذى ينفق فى سبيل الله مخلصا متحريا للمصلحة والمنفعة لا باغيا جزاء ممن ينفق عليه ولا مكافأة ، ولكنه قد يعرض له بعد ذلك ما يحمله على المن والأذى المحبطين للأجر ، كأن يرى ممن كان أنفق عليه غمطا لحقه أو إعراضا عنه وتركا لما كان من احترامه إياه ، فيثير ذلك غضبه حتى يمن أو يؤذى ومثل هذا قد يقع من المخلصين فحذرهم الله تعالى منه.
وأنت ترى ان ما قاله الأستاذ الامام هو الظاهر وقد مثل له بالصدقة على الافراد بما يصنع مثله فى الانفاق فى المصالح. ويشهد لذلك ما قاله ابن جرير فى الآية فانه حمل الانفاق فيها على إعانة المجاهدين وصور المن والأذى بالانتقاد عليهم ورميهم بالتقصير فى جهادهم وكونهم لم يقوموا بالواجب عليهم ثم قال «وإنما شرط ذلك فى المنفق فى سبيل الله وأوجب الاجر لمن كان غير مان ولا مؤد من أنفق عليه فى سبيل الله ، لأن النفقة فى سبيل الله مما ابتغى به وجه الله وطلب به ما عنده. فاذا كان معنى النفقة فى سبيل الله هو ما وصفنا فلا وجه لمن المنفق على من أنفق عليه ، لأنه لا يد له قبله ولا صنيعة يستحق بها عليه ـ إن لم يكافئه عليها ـ المن والأذى إذا كانت نفقة ما أنفق عليه احتسابا وابتغاء ثواب الله وطلب مرضاته وعلى الله مثوبته دون من أنفق عليه» ا ه وهو يلتقى مع كلام الأستاذ الامام فى أن المن فى الآية قد يقع متراخيا عن وقت الانفاق ولكن تخصيصه ذلك بالانفاق على المجاهدين مما لا دليل عليه. وقوله تعالى (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) يشعر بأن هذا الأجر عظيم ، من رب قادر كريم ، فقد أضافهم اليه تشريفا لهم واعلاء لشأنهم (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) يوم يخاف الناس وتفزعهم الأهوال (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يوم يحزن البخلاء الممسكون عن الانفاق فى سبيل الله والمبطلون لصدقاتهم بالمن والأذى بل هم أهل الأمن والطمأنينة ، والسرور الدائم والسكينة ، وقد تقدم تفسير الخوف والحزن من قبل.
ثم قال تعالى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً) قالوا أى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)