يراهم أحقر فى الوجود من صعاليك غيرهم. ثم ليرجع إلى نفسه وليتأمل كيف ان نفقة كل فرد من الأفراد فى المصالح العامة يصح أن تعتبر هى المسعدة للأمة كلها من حيث ان مجموع النفقات التى بها تقوم المصالح تتكون مما يبذله الأفراد فلو لا الجزئيات لم توجد الكليات ، ومن حيث ان الناس يقتدى بعضهم ببعض بمقتضى الجبلة والفطرة فكل من بذل شيئا فى سبيل الله كان اماما وقدوة لمن يبذل بعده وان لم يقصدوا الاقتداء به لأن الناس يتأثر بعضهم بفعل بعض من حيث لا يشعرون. والفضل الأكبر فى هذه الأمة لمن يبدأ بالانفاق فى عمل نافع لم يسبق اليه. أولئك واضعو سنن الخير والفائزون بأكبر المضاعفة لأن لهم أجورهم ومثل أجور من اقتدى بسنتهم. فقد أخرج مسلم فى صحيحه وأبو داود والترمذى أن النبى صلىاللهعليهوسلم قال : «من سن فى الاسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها» الحديث.
ثم قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً) الآية : قال الاستاذ الامام. ان هذه الآية لبيان ثواب الانفاق فى الآخرة بعد التنويه بمنفعته فى الدنيا. وقد شرط لهذا الثواب ترك المن والأذى فأما المن فهو أن يذكر المحسن إحسانه لمن أحسن هو اليه ، يظهر به تفضله عليه ، وأما الأذى فهو أعم. ومنه أن يذكر المحسن إحسانه لغير من أحسن عليه بما ربما يكون أشد عليه مما لو ذكره له. وقال غيره : المن أن يعتد على من أحسن اليه باحسانه ويريه انه أوجب بذلك عليه حقا. والأذى أن يتطاول عليه بسبب إنعامه عليه قالوا وإنما قدم المن لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة (لا) للدلالة على شمول النفى بافادة ان كلا من المن والأذى كاف وحده لاحباط العمل ، وعدم استحقاق الثواب على الانفاق وقالوا ان العطف بثم لاظهار علو رتبة المعطوف عليه.
وقال الأستاذ الامام : قد يشكل على بعض الناس التعبير بثم التى تفيد التراخى مع العلم بأن المن أو الأذى العاجل أضر ، وأجدر بأن يجعل تركه شرطا لتحصيل الأجر ، وجوابه : ان من يقرن النفقة بالمن والأذى أو يتبعها أحدهما أو كليهما عاجلا لا يستحق أن يدخل فى الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله أو يوصف بالسخاء
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)