إن الايمان بهذا السر الالهى والتسليم فيه لخبر الوحى ودلائله وأمثاله هو منتهى ما يطلب من البشر فلو كان وراء الايمان والتسليم مطلع لناظر لبينه الله لك وفى هذا الارشاد لخليل الرحمن تأديب للمؤمنين كافة ومنع لهم عن التفكر فى كيفية التكوين وإشغال نفوسهم بما استأثر الله تعالى به فلا يليق بهم البحث عنه.
وقد فهم بعض الناس من هذا السؤال أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام كان قلقا مضطربا فى اعتقاده بالبعث وذلك شك فيه. وما أبلد أذهانهم وأبعد أفهامهم عن إصابة المرمى. وقد ورد فى حديث الصحيحين «نحن أولى بالشك من ابراهيم» أى أننا نقطع بعدم شكه كما نقطع بعدم شكنا أو أشد قطعا. نعم ليس فى الكلام ما يشعر بالشك فانه ما من أحد إلا وهو يؤمن بأمور كثيرة إيمانا يقينيا وهو لا يعرف كيفيتها ويود لو يعرفها فهذا التلغراف الذى ينقل الخبر من المشرق الى المغرب فى دقيقة واحدة يوقن به كل الناس فى كل بلد يوجد فيه ويقل فيهم العارف بكيفية نقله للخبر بهذه السرعة ؛ أفيقال فيمن طلب بيان هذه الكيفة إنه شاك بوجود التلغراف؟ طلب المزيد فى العلم والرغبة فى استكناه الحقائق والتشوف إلى الوقوف على أسرار الخليقة مما فطر الله عليه الانسان وأكمل الناس علما وفهما أشدهم للعلم طلبا وللوقوف على المجهولات تشوفا. ولن يصل أحد من الخلق إلى الاحاطة بكل شىء علما وقتل كل موجود فقها وفهما. وقد كان طلب الخليل عليه الصلاة والسّلام رؤية كيفية إحياء الموتى بعينيه من هذا القبيل فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع اليه نفسه القدسية من معرفة خفايا أسرار الربوبية ، لا طلب للطمأنينة فى أصل عقد الايمان ، بالبعث الذى عرفه بالوحى والبرهان دون المشاهدة والعيان.
(قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) قرأ حمزة فصرهن بكسر الصاد والباقون بضمها مع تخفيف الراء فيهما. ومعناه أملهن وضمهن اليك وقيل معنى قراءة الكسر فقطعهن ولكنه إذا كان بهذا المعنى لا يتعدى بالى كما تقدم. وقرىء بتشديد الراء وتقدم معناه ومع هذا قالوا إنه قطعهن وقد تكلموا فى حكمة اختيار الطير على غيره من الحيوانات فقال الرازى ما لا يصح أن يقال وقال غيره : الحكمة فى ذلك أن الطير أقرب الى الانسان وأجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتى ما يفعل به من
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)