وقيل معناه انظر كيف بقى حيا طول هذه المدة على عدم وجود من يعتنى بشأنه. كذلك اختلفوا فى قوله (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) من حيث العطف ولا معطوف عليه فى الكلام ، فقدر بعضهم فعلا محذوفا أى ولنجعلك آية للناس فعلنا ما فعلنا من الاماتة والاحياء وقال الاستاذ الامام : لنزيل تعجبك ونريك آياتنا فى نفسك وطعامك وشرابك وحمارك (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) فالعطف دلنا على المحذوف المطوى دلالة ظاهرة وهذا من لطائف ايجاز القرآن. أما كون ما رأى آية له. فظاهر وأما كونه هو (آيَةً لِلنَّاسِ) فهو أن علمهم بموته مائة سنة ثم بحياته بعد ذلك من أكبر الآيات. وقد قال المفسرون انه كان عند موته لا يزال شابا وكان له أولاد قد شابوا وهرموا وقد عرفوه وعرفهم وبيان ذلك ان بدنه لم يعمل فى هذه المدة الاعمال التى تضنيه وتذهب بماء الشباب منه فتهرمه بل حفظت له حالته التى توفيت نفسه وهو عليها.
ثم قال (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب ننشرها بالراء من الانشار والباقون بالزاى من الانشاز. قال من ذهب الى ان الحمار مات : ان المراد بالعظام هنا عظامه ومعنى ننشزها نرفعها ونركب بعضها ببعض. ومعنى ننشرها نحييها. ولا مندوحة لمن قال بأن الحمار كان لا يزال حيا من القول بأن المراد بالعظام جنسها.
قال الاستاذ الامام : انه بعد أن أراه الآية التى تكون حجة خاصة لمن رآها نبهه الى الحجة العامة والدليل الثابت الذى يمكن أن يحتج به على البعث فى كل زمان ومكان وهو سنته تعالى فى تكوين الحيوان وانشاء لحمه وعظمه فالانشاء معناه التقوية والانشاز معناه التنمية لأن الذى ينمو يعلو ويرتفع كأنه يقول كما أطلعناك على بعض الآيات الخاصة التى تدلك على قدرتنا على البعث نهديك الى الآية الكبرى العامة وهى كيفية التكوين وانما كانت هى الآية العامة لأن القرآن يحتج بها على جميع الخلق بمثل قوله (٧ : ٢٩ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) وقوله (٢١ : ١٠٤ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) وقوله فى آيات تبين تفصيل كيفية البدء (٢٣ : ١٤ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً) أقول : ويؤيد هذا التفسير قراءة أبى رضى الله عنه «وانظر الى العظام كيف ننشيها» من الانشاء. وعظام الحمار كانت موجودة لم يتعلق بها انشاء
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)