ادراك من أخذه النوم أو الموت. وهذا الموت أو الضرب على الآذان هو المراد بالشق الثانى من قوله تعالى (٢٩ : ٤٢ اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) والبعث هو الارسال. فاذا كان هذا النوع من الموت يكون بتوفى النفس أى قبضها فزواله إنما يكون بارسالها وبعثها.
وأقول : قد ثبت فى هذا الزمان أن من الناس من تحفظ حياته زمنا طويلا يكون فيه فاقد الحس والشعور ، ويعبرون عن ذلك بالسبات وهو النوم المستغرق الذى سماه الله وفاة. وقد كتب إلى مجلة المقتطف سائل يقول انه قرأ فى بعض التقاويم أن امرأة نامت ٥٥٠٠ يوم أى بلياليها من غير أن تستيقظ ساعة ما فى خلال هذه المدة. وسأل هل هذا صحيح؟ فأجابه أصحاب المجلة بأنهم شاهدوا شابا نام نحو شهر من الزمان ثم أصيب بدخل فى عقله. وقرأوا عن أناس ناموا نوما طويلا أكثره أربعة أشهر ونصف واستبعدوا أن ينام انسان مدة ٥٥٠٠ أى أكثر من ١٥ سنة نوما متواليا. وقالوا انهم لا يكادون يصدقون ذلك. نعم ان الأمر غير مألوف ولكن القادر على حفظ الانسان أربعة أشهر ونصف و ١٥ سنة قادر على حفظه مائة سنة وان لم نهتد الى سنته فى ذلك. فلبث الرجل الذى ضرب على سمعه هنا مثلا مائة سنة غير محال فى نظر العقل ولا يشترط عندنا فى التسليم بما تواتر به النص من آيات الله تعالى وأخذها على ظاهرها الا ان تكون من الممكنات دون المستحيلات. وانما ذكرنا ما وصل اليه علم بعض الناس من هذا السبات الطويل الذى لم يعهده أكثرهم لأجل تقريب إمكان هذه الآية من أذهان الذين يعسر عليهم التمييز بين ما يستبعد لأنه غير مألوف ، وما هو محال لا يقبل الثبوت لذاته.
(قالَ كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) أى لم يفسد بمرور السنين. أقول : ولم يبين لنا تعالى نوع ذلك الطعام وذلك الشراب ولا بد أن يكون مما يعد بقاؤه مائة عام من الآيات التى تدل رائيها على ما لا يعلم من قدرة الله تعالى ، والا فان من الطعام والشراب ما لا يفسد بطول السنين. وقد اختلفوا فى المراد بقوله تعالى (وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) فقيل معناه انظر كيف مات وتفرقت أو تفتتت عظامه فلو لا طول المدة لم يكن كذلك
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)