فلم يكن له بد من إجلائهم عن المدينة فحاصرهم حتى أجلاهم فخرجوا مغلوبين على أمرهم ولم يأذن لمن استأذنه من أصحابه باكراه أولادهم المتهودين على الاسلام ومنعهم من الخروج مع اليهود. فذلك أول يوم خطر فيه على بال بعض المسلمين الاكراه على الاسلام. وهو اليوم الذى نزل فيه (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ).
قال الاستاذ الامام رحمهالله تعالى كان معهودا عند بعض الملل ـ لا سيما النصارى ـ حمل الناس على الدخول فى دينهم بالاكراه. وهذه المسألة ألصق بالسياسة منها بالدين لأن الايمان هو أصل الدين وجوهره عبارة عن إذعان النفس ويستحيل أن يكون الاذعان بالالزام والاكراه. وإنما يكون بالبيان والبرهان ولذلك قال تعالى بعد نفى الاكراه (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) أى قد ظهر أن فى هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير فى الجادة على نور ، وأن ما خالفه من الملل والنحل على غى وضلال. (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) وهو كل ما تكون عبادته والايمان به سببا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق يعبد ، ورئيس يقلد ، وهوى يتبع ، (وَيُؤْمِنْ بِاللهِ) فلا يعبد إلا إياه ، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه ، يرجوه ويخشاه لذاته ، وبما سنه من الاسباب والسنن فى عباده (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها) أقول : أى فقد طلب أو تحرى باعتقاده وعمله أن يكون ممسكا بأوثق عرى النجاة ، وأثبت أسباب الحياة ، أو فقد اعتصم بأوثق العرى ، وبالغ فى التمسك بها ، وقال الاستاذ الامام : الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم الذى لا يضل سالكه ، كما أن المتعلق بعروة هى أوثق العرى وأحكمها فتلا لا يقع ولا يتفلت. وقد حذف لفظ التى وذلك معروف عن العرب فى مثل هذا الكلام ، وأقول : افاد كلامه أن العروة فى الآية مستعارة من عروة الثوب ويناسبه الانفصام ولعل الأقرب أن يراد بها عروة الشجر والنبات فهى التى لا ينقطع مددها بالقحط والجدب ، كأنه يقول : إن المبالغ بالتمسك بهذا الحق والرشد كمن يأوى بنعمه الى ذلك الشجر والنبات النابت الذى لا ينقطع مدده ولا يفنى علفه. فاذا نزل الجدب والقحط بمن يعتمدون على الشجرة الخبيثة التى اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ، كان هو معتصما بالشجرة الطيبة التى أصلها ثابت
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)