رجع نظر البصيرة لرأى أن الشفيع قد أعلم السلطان أن هذا الرجل الجانى ممن يلوذ به ويهمه شأنه ويرضيه بقاؤه ولم يكن يعلم ذلك. فالشفاعة المعروفة التى يغتر بها الكافرون والفاسقون ويظنون أن الله تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هى مما يستحيل على الله تعالى لأنها ـ وهى من شأن أهل الظلم والبغى ـ تستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ) ومن علم شيئا منك فلا سبيل له إلى التصدى لا علامك به. فماذا عسى أن يقول من يريد الشفاعة عنده بالمعنى الذى يعهده الناس ويغتر به الحمقى الذين يرجون النجاة بها فى الآخرة بدون مرضاة الله تعالى فى الدنيا. قال الأستاذ الامام : معناه أن الشفاعة تتوقف على إذنه وإذنه. لا يعلم إلا بوحى منه تعالى يريد أن ذلك ترق فى نفيها من دليل الى آخر ، أى إذا أمكن أن تكون هناك شفاعة بمعنى آخر يليق بجلال الله تعالى كالدعاء المحض. فانه لا يجرأ عليها أحد فى ذلك اليوم العصيب إلا باذن الله تعالى. وإذنه تعالى مما استأثر بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به. ثم قال : وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام فى كتابه أى فمن بين انه مستحق لعقابه فهو مستحق له لا يجرأ أحد أن يدعو له بالنجاة ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى الى الباطل والفساد الذى يطبع على الروح فتسترسل فى الخطايا حتى تحيط بها وتملك عليها أمرها فذلك مستحق له منته إليه بوعد الله فى كتابه وفضله على عباده كما سبق فى علمه الأزلى.
ثم قال الأستاذ الامام : قالوا إن للاستثناء فى قوله تعالى (إِلَّا بِإِذْنِهِ) واقعا وهو أن نبينا عليه الصلاة والسّلام يشفع فى فصل القضاء فيفتح باب الشفاعة فيدخل فيه غيره من الشفعاء كالأنبياء والأصفياء كما ثبت فى الأحاديث. وهى مسألة أنكرها المعتزلة وأثبتها أهل السنة. والله تعالى يأذن لمن يشاء ، ويطلع على علمه باستحقاق الشفاعة من يشاء ، كما علم من الاستثناء ، ونقول : أجمع كل من أهل السنة والمعتزلة وسائر فرق المسلمين على كمال علم الله تعالى واحاطته وذلك يستلزم استحالة الشفاعة عنده بالمعنى المعهود ، كما سبق القول وقلنا هناك : ان مثل هذا الاستثناء ورد فى القرآن لتأكيد النفى. وبذلك نجمع بين الآيات التى تنفى الشفاعة بدون الاستثناء وبين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)