وأفسد فى الأرض ، وأعرض عن السنة والفرض ، من ذا الذى يقدم على هذا من عبيده (إِلَّا بِإِذْنِهِ) والأمر كله له صورة وحقيقة. وليس هذا الاستثناء نصا فى أن الاذن سيقع ، وإنما هو كقوله (١١ : ١٠٥ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فهو تمثيل لانفراده بالسلطان والملك فى ذلك اليوم (٨١ : ١٩ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) ولهذا قال البيضاوى فى تفسير الجملة : «بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ويستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة».
وقال الأستاذ الامام ما محصله : إن فى هذا الاستثناء قطعا لأمل الشافعين والمتكلين على الشفاعة المعروفة التى كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه ، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه. ثم قال تعالى :
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) أى ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس أو أمور الدنيا التى خلفوها وأمور الآخرة التى يستقبلونها أو ما يدركون وما يجهلون. وهذا دليل على نفى الشفاعة بالمعنى المعروف. وبيان ذلك أنه لما كان عالما بكل شىء فعله العباد فى الماضى وما هو حاضر بين أيديهم وما يستقبلهم وكان ما يجازيهم به مبنيا على هذا العلم كانت الشفاعة المعهودة مما يستحيل عليه تعالى. لأنها لا تتحقق إلا باعلام الشفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له ، وما يستحقه ما لم يكن يعلم. مثال ذلك : إذا أراد عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن ينفى رجلا من المدينة ولا يمكن أن يريد ذلك وهو عادل ـ إلا إذا كان يعتقد المصلحة فيه بأن يكون الرجل مفسدا ضارا بالناس. فاذا شفع له شافع ولم يبين لعمر ما لم يكن يعلم من أن المصلحة فى بقائه دون نفيه. فإنه لا يقبل شفاعته. هذا إذا كانت الشفاعة عند سلطان عادل كعمر. وأما اذا كانت عند سلطان جائر فيجوز أن تقبل ويترك نفى المفسد الضار بالناس لأجل مرضاة الشفيع ، كأن يكون من أعوان السلطان وبطانته الذين يؤثر مرضاتهم على المصلحة العامة لأنهم يؤثرون هواه على المصلحة الحقيقية. وفى هذه الحال يظن الغافل أن الشفاعة ليس فيها إعلام المشفوع عنده بما لم يكن يعلم ولو
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)