صدر عن موجود بغير علة معروفة ولا سبب مألوف ، يتوهم أنه لو لم تكن له تلك السلطة العليا والقوة الغيبية لما صدر عنه ذلك ، حتى ان الذين يعتقدون النفع ببعض الشجر والجماد كشجرة الحنفى ونعل الكلشنى (١) يعدون عابدين لها حقيقة. والحاصل أن معنى (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ليس فى الوجود صاحب سلطة حقيقية على النفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرا منها معتقدة أن بيده منح الخير ورفع الضر بتسخير الأسباب أو بابطال السنن الكونية إلا الله تعالى وحده.
قال الأستاذ الامام : وأما الحى فهو ذو الحياة وهى مبدأ الشعور والادراك والحركة والنمو. ومثل لذلك بالنبات والحيوان. فان كلا منهما حى وإن تفاوتت الحياة فيهما فكانت فى الحيوان أكمل منها فى النبات. قال والحياة بهذا المعنى مما ينزه الله تعالى عنه لأنه محال عليه. ولذلك فسر مفسرنا (الْحَيُّ) بالدائم البقاء وهو بعيد جدا لا يفهم من اللفظ مطلقا وانما معنى الحياة بالنسبة إليه سبحانه مبدأ العلم والقدرة أى الوصف الذى يعقل معه الاتصاف بالعلم والارادة والقدرة. وهذا الوصف يبطل قول الماديين الذين يزعمون أن مبدأ الكون علة تتحرك بطبعها ولا شعور لها بنفسها ولا بحركتها وما ينشأ عنها من الأفعال والآثار. أى إن هذا النظام والاحكام فى الخلق من آثار المادة الميتة التى لا شعور لها ولا علم.
اختصر الأستاذ الامام فى الدرس فلم يزد على نحو ما ذكرنا فى حياة الله تعالى شيئا والمتكلمون يستدلون على حياة الله تعالى بالعقل من وجهين. أحدهما أنه تعالى عليم مريد قدير : وهذه الصفات لا تعقل إلا للحى وفيه أنه من قياس الغائب على الشاهد كما يقولون أو من قياس الواجب على الممكن. وثانيهما : أن الحياة كمال وجودى وكل كمال لا يستلزم نقصا يستحيل على الواجب فهو واجب له. وهذا ما قدمه الأستاذ الامام فى رسالة التوحيد. وقد قدم له بمقدمة نفيسة فى صفات الواجب. قال رحمهالله تعالى :
__________________
(١) شجرة عند جامع السلطان الحنفى المعروف بمصر تزار وتلتمس منها المنافع ودفع المضار. ونعل الكلشنى نعل قديمة فى تكية الكلشنى بمصر يتبرك بها ويقال إن الماء الذى يشرب عنها ينفع للتداوى من العشق.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)