وأما الانجيل فى عرف القرآن فهو ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسّلام من البشارة بالنبى الذى يتمم الشريعة والحكم والأحكام وهو ما يدل عليه اللفظ وقد أخبرنا سبحانه وتعالى (فى ٥ : ١٤) أن النصارى نسوا حطا مما ذكروا به كاليهود وهم أجدر بذلك فان التوراة كتبت فى زمن نزولها وكان الألوف من الناس يعملون بها ثم فقدت والكثير من أحكامها محفوظ معروف ولا ثقة بقول بعض علماء الافرنج إن الكتابة لم تكن معروفة فى زمن موسى عليهالسلام. وأما كتب النصارى فلم تعرف وتشتهر إلا فى القرن الرابع للمسيح لأن أتباع المسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان فلما أمنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سياسة ظهرت كتبهم ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذى هر إنجيله وكانت كثيرة فتحكم فيها الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة. فمن فهم ما قلناه فى الفرق بين عرف القرآن وعرف القوم فى مفهوم التوراة والانجيل يتبين له أن ما جاء فى القرآن هو الممحص للحقيقة التى أضاعها القوم وهى ما يفهم من لفظ التوراة والانجيل ويصح أن يعد هذا التمحيص من آيات كون القرآن موحى به من الله ولو لا ذلك لما أمكن ذلك الأمى الذى لم يقرأ هذه الأسفار والأناجيل المعروفة ولا تواريخ أهلها أن يعرف أنهم نسوا حظا مما أوحى إليهم وأوتوا نصيبا منه فقط بل كان يجاريهم على ما هم عليه ويقول الأناجيل لا الانجيل. ثم إن من فهم هذا لا تروج عنده شبهات القسيسين الذين يوهمون عوام المسلمين أن ما فى أيديهم من التوراة والأناجيل هى التى شهد بصدقها القرآن.
وقال الاستاذ الامام فى تفسير هذه الجملة : المتبادر من كلمة (أَنْزَلَ) أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة وإن كانت مرتبة فى الأسفار المنسوبة اليه فانها مع ترتيبها مكررة والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها. وكذلك الانجيل نزل مرة واحدة وليس هو هذه الكتب التى يسمونها الأناجيل لأنه لو أرادها لما أفرد الانجيل دائما مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة والانجيل من أصل عربى وما هما بعربيين ومعنى التوراة وهى عبرية الشريعة ومعنى الانجيل وهى يونانية البشارة وإنما المسيح
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
