الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) وسيأتى قول الأستاذ الامام فى الحساب والجزاء.
(فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) أى فهو بماله من الملك المطلق يغفر لمن يشاء أن يغفر له ويعذب من يشاء عذابه. وقرأ غير ابن عامر وعاصم ويعقوب بجزم يغفر ويعذب بالعطف على يحاسبكم. وإنما يشاء ما فيه الرحمة ، والعدل والحكمة ، والأصل فى العدل أن يكون الجزاء السىء على قدر الاساءة وتأثيرها فى تدسية نفوس المسيئين ، والجزاء الحسن على قدر الاحسان وتأثيره فى أرواح المحسنين ، ولكنه تعالى برحمته وفضله يضاعف جزاء الحسنة عشرة أضعاف ويزيد من يشاء ولا يضاعف السيئة. والآيات المفصلة فى هذا المعنى كثيرة وبها يفسر المجمل. وقد بينا معنى المغفرة غير مرة بايضاح. وحسبك هنا أن تعلم أن الذنب المغفور هو الذى يوفق الله صاحبه لعمل صالح يغلب أثره فى النفس. والجاهل بهدى الكتاب يحسب أن الامر فوضى والكيل جزاف ويمنى نفسه بالمغفرة على إصراره وإقامته على أوزاره ، ألم يقرأ فى دعاء الملائكة للمؤمنين (٤٠ : ٦ رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال الاستاذ الامام شأن الله تعالى فى المحاسبة أن يذكر الانسان أو يسأله : لم فعلت؟ فبعد أن يرى العبد أعماله الظاهرة والباطنة يغفر أو يعذب. فمن الناس من لم تصل أعماله المنكرة إلى أن تكون ملكات له فالله سبحانه يغفرها له. ومنهم من تكون ملكات له فهو يعاقبه عليها وهو يفعل ما يشاء ويختار. وقد يظن من لا يؤمن بالكتاب كله أن فى هذا سبيلا للمروق من التكليف لأن أمر المغفرة والتعذيب موكول للمشيئة والرجاء فيه أكبر وهذا ضلال عن فهم الكتاب بالمرة فالآية إنذار وتخويف ليس فيها موضع للقطع بمغفرة ذنب ما وإن كان صغيرا. أقول : وقد ذكرنى قوله بكلمة لأبى الحسن الشاذلى. قال وقد أبهمت الامر علينا نرجو ونخاف فآمن خوفنا ولا تخيب رجاءنا وهذا من أحسن الدعاء. وقد قرر ما ذكر من تعليق الامر بالمشيئة واحتج عليه بقوله (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أى فهو بقدرته ينفذ ما تعلقت به مشيئته. فنسأله العناية.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
