والاستعداد للآخرة «اذهب فاحكم رأس العلم ثم ارجع لأعلمك من غرائبه» فأقول للعامى ليس الخوض فى الاختلافات من عشك فادرج فاياك أن تخوض فيه أو تصغى اليه فتهلك ، فانك إذا صرفت عمرك فى صناعة الصياغة لم تكن من أهل الحياكة ، وقد صرفت عمرك فى غير العلم فكيف تكون من أهل العلم؟ ومن أهل الخوض فيه. فاياك ثم إياك أن تهلك نفسك فكل كبيرة تجرى على العامى أهون عليه من الخوض فى العلم. فيكفر من حيث لا يدرى.
«فان قال : لا بد من دين أعتقده وأعمل به لأصل إلى المغفرة والناس مختلفون فى الأديان ، فبأى دين تأمرنى أن آخذ أو أعول عليه؟ فأقول له : للدين أصول وفروع ، والاختلاف انما يقع فيهما. أما الأصول فليس عليك أن تعتقد فيها إلا ما فى القرآن. فان الله لم يستر عن عباده صفاته وأسماءه فعليك أن تعتقد ان لا إله إلا الله ، وأن الله حى عالم قادر سميع بصير جبار متكبر قدوس ليس كمثله شىء ـ إلى جميع ما ورد فى القرآن واتفق عليه الائمة. فذلك كاف فى صحة الدين وإن تشابه عليك شىء فقل (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) واعتقد كل ما ورد فى إثبات الصفات ونفيها على غاية التعظيم والتقديس ، مع نفى المماثلة واعتقاد أنه ليس كمثله شىء. وبعد هذا لا تلفت إلى القيل والقال. فانك غير مأمور به ولا هو على حد طاقتك. فان أخذ يتحذلق ويقول : قد علمت أنه عالم من القرآن ولكنى لا أعلم أنه عالم بالذات أو بعلم زائد عليه ، وقد اختلف فيه الاشعرية والمعتزلة ، فقد خرج بهذا عن حد العوام إذا العامى لا يلتفت قلبه إلى هذ ما لم يحركه شيطان الجدل فان الله لا يهلك قوما إلا يؤتيهم الجدل. كذلك ورد الخبر (١) وإذا التحق بأهل الجدل فأذكر علاجهم.
«هذا ما أعظ به فى الأصول وهو الحوالة على كتاب الله. فان الله أنزل الكتاب والميزان والحديد. وهؤلاء هم أهل الحوالة على الكتاب. وأما الفروع فأقول لا تشغل
__________________
(١) لعله يريد حديث أبى أمامة عند الترمذى وصححه «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل».
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)