رحم ربك ولذلك خلقهم : وكون الخلاف بينهم ضروريا تعرفه من كتاب (جواب مفصل الخلاف وهو الفصول الاثنى عشر)
«فقال : فلو أصغوا اليك كيف كنت تفعل؟ قلت : كنت أعاملهم بآية واحدة من كتاب الله تعالى (٥٧ : ٢٥ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) الآية وإنما أنزل هذه الثلاث لأن الناس ثلاثة أصناف ـ عوام وهم أهل السلامة البله وهم أهل الجنة. وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة ، ويتولد بينهم طائفة هم أهل الجدل والشغب فيتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة.
أما الخواص فانى أعالجهم بأن أعلمهم الموازين القسط وكيفية الوزن بها فيرتفع الخلاف بينهم على قرب. وهؤلاء قوم اجتمع فيهم ثلاث خصال (أحدها) القريحة النافذة والفطنة القوية. وهذه فطرية وغريزة جبلية لا يمكن كسبها (الثانية) خلو باطنهم من تقليد وتعصب لمذهب موروث مسموع. فان المقلد لا يصغى والليد وإن أصغى لا يفهم (الثالثة) أن يعتقد أنى من أهل البصيرة بالميزان ومن لا يؤمن بأنك تعرف الحساب لا يمكن أن يتعلمه منك (١)
«والصنف الثانى : البله وهم جميع العوام ، وهؤلاء هم الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق وإن كانت لهم فطنة فطرية فليس لهم داعية الطلب ، بل شغلتهم الصناعات والحرف. وليس فيهم أيضا داعية الجدل بخلاف المتكايسين فى العلم مع قصور الفهم عنه ، فهؤلاء لا يختلفون ولا يتخيرون بين الأئمة المختلفين. فأدعو هؤلاء إلى الله بالموعظة كما أدعو أهل البصيرة بالحكمة ، وأدعو أهل الشغب بالمجادلة ، وقد جمع الله هذه الثلاثة فى آية واحدة ، (٢) كما تلوته عليك أولا ، فأقول لهم ما قاله رسول الله صلىاللهعليهوسلم لأعرابى جاءه فقال «علمنى من غرائب العلم فعلم الرسول صلىاللهعليهوسلم أنه ليس أهلا لذلك فقال له : وما ذا عملت فى رأس العلم؟ أى الايمان والتقوى
__________________
(١) يريد بالثالثة طريقة تنفيذ ما قبلها. وإنما الطريقة أن يكون للأمة أولو أمر كما قلنا.
(٢) يريد الآية ١٢٥ من السورة ١٦ (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الآية.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)