الضرب من الانتفاع كمن محق ماله وهلك. وقضت سنته فى المتصدق أن يكون انتفاعه بماله أكبر من ماله (وقد تقدم شرح ذلك فلا نعيده) وفى حديث أبى هريرة عند الشيخين أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ـ ولا يقبل الله إلا طيبا ـ فان الله تعالى يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه ، حتى تكون مثل الجبل» والحديث من باب التمثيل كما هو ظاهر.
قال تعالى : (وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) قالوا لا يحب لا يرضى والكفار المستحل للربا ، والأثيم المقيم على الاثم. وأقول : إن حب الله للعبد شأن من شؤونه يعرف باستعمال العبد اتمام حكم الله فى صلاح عباده ونفى هذا الحب يعرف بضد ذلك. والكفار هنا هو المتمادى على كفر انعام الله عليه بالمال إذ لا ينفق منه فى سبيله ولا يواسى به المحتاجين من عباده والأثيم هو الذى جعل المال آلة لجذب ما فى أيدى الناس إلى يده فافترص إعسارهم ، لاستغلال اضطرارهم.
ثم قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أى صدقوا تصديق إذعان بما جاء من عند الله فى هذه المسألة كغيرها (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) أى الأعمال التى تصلح بها نفوسهم وشأن من يعيش معهم ، ومنها مواساة المحتاجين ، والرحمة بالبائسين ، وإنظار المعسرين ، ومن سنة القرآن أن يقرن الايمان بالعمل الصالح فى مقام الوعد لأن الايمان الحقيقى المقرون بالاذعان يتبعه العمل الصالح حتما لا يتخلف عنه وهذا برهان على ما قلناه فى تفسير الآية السابقة (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) التى تذكر المؤمن بالله تعالى فتزيد فى إيمانه وحبه لربه ومراقبته له حتى تسهل عليه طاعته فى كل شىء (وَآتَوُا الزَّكاةَ) التى تزكى النفس من رذيلة البخل والحرص وتمرنها على أعمال البر حتى تسهل عليها ويكون ترك أكل أموال الناس بالربا أسهل. وذكر الصلاة والزكاة بعد الأعمال الصالحة التى تشملهما لأنهما أعظم أركان العبادة النفسية والمالية ، فمن أتى بهما كاملتين سهل عليه كل عمل صالح (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) تقدم نظير هذا الجزاء قريبا فلا حاجة لا عادة التذكير بمعناه. وجملة الآية تعريض بآكل الربا ـ كأنه يقول لو كان من هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات الخ ، لكف عنه ولكنه كفار أثيم ـ وتمهيد لما بعدها وهو
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
