في الايمان بأنهم من خلق الله وملك الله وإلى الله يرجعون ، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء ، ولا يفعل إلا ما سبقت به الحكمة ، وارتضاه النظام الالهي المعبر عنه بالسنة. بحيث ينطلق اللسان بالكلمة بدافع الشعور بهذا المعنى وتمكنه من النفس ، فأصحاب هذا الاعتقاد والشعورهم الجديرون بالصبر إيمانا وتسليما بحيث لا يملك الجزع نفوسهم ولا تقعد المصائب هممهم ، بل تزيدهم ثباتا ومثابرة فيكونون هم الفائزين
ولا ينافي الصبر والتثبت ما يكون من حزن الانسان عند نزول المصيبة بل ذلك من الرحمة ورقة القلب ، ولو فقد الانسان هذه الرحمة لكان قاسيا لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ، وإنما الجزع المذموم هو الذى يحمل صاحبه على ترك الاعمال المشروعة لاجل المصيبة ، والأخذ بعادات وأعمال مذمومة ضارة ينهى عنها الشرع ، ويستقبحها العقل ، كما نشاهد من جماهير الناس في المصائب والنوائب وقد ورد في الصحيحين ان النبي صلىاللهعليهوسلم بكى عند ما حضر ولده ابراهيم عليهالسلام الموت وقيل له : أليس قد نهيتنا عن ذلك؟ فاخبر أنها الرحمة وقال «ان العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» رواه الشيخان من حديث أنس وفائدة الاخبار بالبلاء قبل وقوعه توطين النفس عليه واستعدادها لتحمله والاستفادة منه «ما من دهي بالامر كالمعتد» هذا إن لم يقترن بالخبر إرشاد وتعليم ، فكيف إذا اقترنت به هداية العزيز العليم؟
ذكر البلاء وبشر الصابرين عليه وذكر الوصف الذي يستحقون به البشارة وختم القول ببيان الجزاء المبشر به بالاجمال فقال (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) أي اولئك الصابرون المحتسبون عليهم من ربهم الرءوف الرحيم ما يحول دون تبريح المصائب بهم من أنواع صلواته العامة ورحمته الخاصة ، فأما الصلوات فالمراد بها انواع التكريم والنجاح ، وإعلاء المنزلة عند الله والناس ، وعن ابن عباس انها المغفرة لذنوبهم. وأما الرحمة فهي ما يكون لهم في نفس المصيبة من حسن العزاء ، ويرد الرضى والتسليم للقضاء. فهي رحمة خاصة يحسد الملحدون عليها المؤمنين ، فان الكافر المحروم من هذه الرحمة في المصيبة تضيق عليه الدنيا بما رحبت ، حتى انه ليبخع نفسه إذا لم يعدله رجاء في الاسباب التي يعرفها وينتحر بيده ويكون من الهالكين.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)