السنة هي المبينة لذلك بالتفصيل بسيرة النبي صلىاللهعليهوسلم في بيوته ومع أصحابه في السلم والحرب والسفر والاقامة ، وفي حال الضعف والقوة والقلة والكثرة ، فالسنة العملية المتواترة هي المبينة للقرآن بتفصيل مجمله وبيان مبهمه ، وإظهار ما في أحكامه من الاسرار والمنافع ، ولهذا أطلق عليها لفظ الحكمة فانها كانت كالحكمة (بالتحريك) لتأديب الفرس ، ولو لا هذه التربية بالعمل لما كان الارشاد القولي كافيا في انتقال الامة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء والجهل والامية الى الائتلاف والاتحاد والتآخي والعلم وسياسة الامم. فالسنة هي التي علمتهم كيف يهتدون بالقرآن ، ومرنتهم على العدل والاعتدال في جميع الاحوال.
كلنا يعرف الحلال والحرام والفضيلة والرذيلة ، وقلما ترى أحدا عاملا بعلمه ، وإنما السبب في ذلك أن الاكثرين يعرفون الحكم دون حكمته ، ودون الاسوة الحسنة في العمل به ، فهم لا يفقهون لم كان هذا حراما ، ولا تنفذ أفهامهم في أعماق الحكم فتصل الى فقهه وسره ، فتعلم علما تفصيليا ماوراء المحرم من الضرر لمرتكبه وللناس ، وماوراء الواجبات والمندوبات من المنافع العامة والخاصة. ولو علموا ذلك وفقهوه بالتربية عليه وملاحظة آثاره والاقتداء بالمعلمين والمربين في العمل به ـ كما أخذ الصحابة عن الرسول صلىاللهعليهوسلم ـ لخرجوا من ظلمة الاجمال والابهام في المعرفة الى نور التجلي والتفصيل ، حتى تكون الجزئيات مشرقة واضحة ، ولكان هذا العلم معينا لهم على إحلال الحلال بالعمل ، وتحريم الحرام بالترك ، فقد وقف النبي صلىاللهعليهوسلم اصحابه «رض» على فقه الدين ونفذ بهم الى سره ، فكانوا حكماء علماء ، عدولا نجباء ، حتى إن كان أحدهم ليحكم المملكة العظيمة فيقيم فيها العدل ويحسن السياسة وهو لم يحفظ من القرآن الا بعضه ، ولكنه فقهه حق فقهه وهذا المعنى ـ فقه الدين ومعرفة أسرار الاحكام ـ غير التزكية ، بيد أنه يتصل بها ويعين عليها ، حتى يطابق العلم العمل ، فهذه الاية نبأ عن استجابة دعوة ابراهيم عليهالسلام (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ) الآية.
وقد تقدم هناك ذكر تعليم الكتاب والحكمة على التزكية ، وقدم هنا ذكر التزكية على تعليم الكتاب والحكمة. والنكتة في ذلك أن ابراهيم عليهالسلام لا حظ في دعوته الطريق الطبيعي وهي ان التعليم يكون أولا ثم تكون التزكية ثمرة له
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)