على محمد (عليهماالسلام) ووصف الغلام بالزكي لا يدل على انه أفضل من سائر الغلمان ، فضلا عمن زكى الانام. وقد قال تعالى في قصة موسى (ع م) مع العبد الذي علمه من لدنه علما (أقتلت نفسا زكية بغير نفس) الآية فهل يزعمون ان هذا الغلام افضل من موسى وابراهيم عليهماالسلام لانهما لم يوصفا بوصفه؟
وبعد ذكر التربية العملية بالاسوة الحسنة ذكر أمر التعليم فقال (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) اي الكتاب الالهي او الكتابة التي تخرجون بها من ظلمة الامية والجهل الى نور العلم والحضارة. ويجوز الجمع بين المعنيين على القول الصحيح باستعمال المشترك في معنييه او فيما يقتضيه المقام من معانيه. وأما الحكمة فهي العلم المقترن باسرار الاحكام ومنافعها الباعث على العمل. وفسرها بعضهم بالسنة.
(أقول) وهو غلط فانها أطلقت على بعض نصوص الكتاب كالعقائد والفضائل والاحكام الايجابية والسلبية بدليل قوله تعالى بعد الوصايا المقرونة بعلل الامر والنهي من سورة الاسراء (١٧ : ٣٩ (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) وفي سورة لقمان ان الله آتاه الحكمة وذكر منها وصاياه لابنه المعللة بأسباب النهي (راجع ٣١ : ١٢ ـ ١٩) فحكمة القرآن أعلى الحكم ، وتليها حكمة الرسول صلىاللهعليهوسلم وقال صلىاللهعليهوسلم «لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» رواه الشيخان من حديث ابن مسعود ، وفي بعض رواياته «فهو يعمل بها ويعلمها الناس» وفي لفظ من حديث ابن عمر «القرآن» بدل الحكمة.
وقد تقدم ما قاله الاستاذ الامام في هذه الكلمات في دعاء ابراهيم صلىاللهعليهوسلم وجاء هنا بتفصيل في معنى الحكمة لم يذكر هناك فقال ما مثاله : دعا القرآن إلى التوحيد وأمهات الفضائل وبين أصول الاحكام ، ولكنه لم يفصل سيرة الملوك والرؤساء مع السوقة والمرؤسين ، ولم يفصل سيرة الرجل مع أهل بيته في الجزئيات وهو ما يسمونه نظام البيوت ـ العائلات ـ ولم يفصل طرق الاحكام القضائية والمدنية والحربية ، وذلك ان هذه الامور ينبغي أن تؤخذ بالاسوة والعمل بعد معرفة القواعد العامة التي جاءت في الكتاب ، ولذلك كانت
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)