فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ابتدأ هذه الآية بصيغة الامر الواردة في الآية قبلها وقرن بها صيغة الامر السابقة وجمع فيها بين خطاب النبي وخطاب الامة ليرتب على ذلك التعليل وبيان الحكم له وهي ثلاث : الاولى قوله (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) ليس هذا الجمع والاعادة لمجرد التأكيد كما قال مفسرنا (الجلال) وغيره وإنما هو تمهيد للعلة وتوطئة لبيان الحكم الموصولة به. وهو أسلوب معهود عند البلغاء ـ والمتأخرون الذين لا يذوقون طعم الاساليب البليغة يكتفون في مثل هذا المقام بقولهم : كل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة : وهو نظم غير معهود في الكلام البليغ ولا سيما مقام الاطناب والتأكيد والاحتجاج وإزالة الشبه. والمراد بالناس المحاجون في القبلة المعروفون وهم أهل الكتاب والمشركون ، وتبعهما المنافقون.
ووجه انتفاء حجتهم على الطعن في النبوة بتحويل القبلة عن بيت المقدس الى الكعبة هو ان اهل الكتاب كانوا يعرفون من كتبهم ان النبي الذي يبعث من ولد اسماعيل يكون على قبلته وهي الكعبة ، فجعل بيت المقدس قبلة دائمة له حجة على أنه ليس هو النبي المبشر به ، فلما كان التحويل عرفوا أنه الحق من ربهم ، وأن المشركين كانوا يرون ان نبيا من ولد ابراهيم جاء لا حياء ملته لا ينبغي له أن يستقبل غير بيت ربه الذي بناه وكان يصلي هو واسماعيل اليه ، فدحضت حجة الفريقين وكبت المنافقون من ورائهم (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) أي لكن الذين ظلموا منهم يظلون يلغطون بالاحتجاج جهلا أو عنادا للاضلال كقول اليهود رجع إلى قبلة قومه لارضائهم وسيرجع إلى دينهم. وقول المشركين رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا وقول المنافقين انه مضطرب متردد لا يثبت على قبلة. وأمثال هذه الآراء ، التي يزينها الهوى للاعداء ، فهم لا يهتدون بكتاب ولا يعتبرون ببرهان ، ولا ينظرون الى حكم الامور وأسرارها ، بل يجادلون في الله وشرعه بلا هدى ولا كتاب منير ، وهم الذين أثاروا الفتنة وحركوا رياح الشبه في مسألة القبلة. ولا قيمة لما يقول هؤلاء الظالمون فانهم هم السفهاء كما وصفوا في الآية الاولى (فَلا تَخْشَوْهُمْ) اذ لا مرجع لكلامهم من الحق ، ولا تمكن له فى النفس ، لانه لا يستند الى برهان عقلي ولا الى هدي سماوي
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)