إجمال يفصله ذكر أنواع البر فى آية (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) المشار اليها آنفا وستأتي ، كأنه يقول للفاتنين والمفتونين في مسألة القبلة ان مخ الدين وجوهره هو في المسارعة الى الخيرات فهل رأيتم محمدا واتباعه قصروا عن غيرهم في ذلك أم هم السابقون الى كل مكرمة ، المسارعون الى كل مبرة ، المتصفون بكل فضيلة؟ ففى الكلام مع بيان روح الدين ومقصده تعريض بأهل الكتاب الذين تركوا فضائل الدين وقصروا في عمل الخير والبر ، واكتفوا من علم الدين بالجدل والمراء ، واستنباط الشبه للطعن في العاملين ، إذ لم يكونوا من المجادلين المشاغبين ، ثم ترك المسلمون فضائل سلفهم ، واتبعوا سننهم في بدعهم وجدلهم ، حتى صاروا حجة على دينهم.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي ومن أي مكان خرجت وفي أي بقعة حللت فول وجهك في صلاتك شطر المسجد الحرام ، فهو حكم عام ، قال الاستاذ الامام أعاد الامر في صورة أخرى ليبين أنه شريعة عامة في كل زمان ومكان لا يختص ببلاد دون أخرى ولا بحضر دون سفر. وقد كان الامر بالتحويل نزل على النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم وهو في الصلاة فأعلمه بصيغة الامر أنه ليس خاصا بتلك الصلاة ولا بذلك المكان بل عليه أن يفعل ذلك من حيث خرج وأين توجه. ومن مزايا هذه القبلة ان أصحابها يصلون الى جميع الجهات بتوليهم إياها من أقطار الارض المختلفة وقد وثق الامر وأكده بقوله (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) اي وان توليك إياه لهو الحق المحكم بوحي ربك فلا ينسخ (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أي إنكم أيها المخاطبون باتباع النبي في كل ما يجيء به من أمر الدين تحت نظر الحق دائما فهو لا يغفل عن أعمالكم (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وفي الكلام التفات عن خطاب النبي صلىاللهعليهوسلم الى خطاب جميع المكلفين ، بما فيه من التعريض والتهديد للمنافقين وقرأ ابو عمرو (يعملون) بالياء وهو يعود الى أولئك المجادلين في القبلة. يقول لنبيه لا يحزنك أمرهم ، فان الله تعالى هو الذي يتولى جزاءهم ، وما هو بغافل عن فسادهم وفتنتهم.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)