(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي ولئن فرض ان تتبع ما يهوونه من الصلاة إلى قبلتهم أو غير ذلك اجتهادا منك تقصد به استمالتهم إلى دينك ، من بعد ما جاءك الحق اليقين بالنص المانع من الاجتهاد ، والعلم الذي لا مجال معه للظن ـ انك إذ تفعل هذا فرضا (وما أنت بفاعله) تكون من جماعة الظالمين (وحاشاك) والكلام من باب «إياك أعني واسمعي يا جارة» وبيانه اننا قد أقمنا لك مسألة القبلة على قاعدة العلم الذي عرفت به ان نسبة الجهات الى الله تعالى واحدة ، وان جمود اهل الكتاب على ما هم فيه انما جاءهم من التقليد وحرمان أنفسهم من النظر ، وان طعنهم فيك وفيما جئت به من امر القبلة وغيره ليس الا جحودا ومعاندة لك مع علمهم بانك النبي الموعود به في كتبهم ياتي من ولد اسماعيل ـ فبعد هذا العلم كله لا ينبغي لاحد من أتباعك المؤمنين ان يفكر في اهواء القوم استمالة لهم ، اذ لا محل لهذه الاستمالة ، والحق قوي بذاته ، وغني بمن ثبت عليه ، ومن عدل عنه مجاراة لاهل الاهواء لما يرجو من فائدتهم او اتقاء مضرتهم فهو ظالم لنفسه ، وظالم لمن يسلك بهم هذه السبيل الجائر.
(الاستاذ الامام) هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقاما عند الله تعالى هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل ، فانه أفرده بالخطاب مع أن المراد به أمته ، إذ يستحيل أن يتبع هو أهواءهم أو أن يجاريهم على شيء نهاه الله تعالى عنه ، ليتنبه الغافل ويعلم المؤمنون ان اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح هو من الظلم العظيم الذي يقطع طريق الحق ، ويردي الناس في مهاوي الباطل ، كأنه يقول ان هذا ذنب عظيم لا يتسامح فيه مع أحد حتى لو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله تعالى لسجل عليه الظلم ، وجعله من أهله الذين صار وصفا لازما لهم (وما للظالمين من أنصار) فكيف حال من ليس له ما يقارب مكانته عند ربه عزوجل؟
نقرأ هذا التشديد والوعيد ، ونسمعه من القارئين ، ولا نزدجر عن اتباع أهواء الناس ومجاراتهم على بدعهم وضلالاتهم ، حتى انك ترى الذين يشكون من هذه البدع والاهواء ويعترفون ببعدها عن الدين يجارون أهلها عليها ، ويمازجونهم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)