وهو قبول توبته في بطن الحوت شملته فلم ينبذ بالعراء مذموما.
فمجموع الآيتين يدلّ على أن ذهابه مغاضبا كان يقتضي أن يلبث في بطنه الى يوم القيامة فمنع عن دوام تسبيحه قبل التقامه وبعده ، وقدّر أن ينبذ بالعراء وكان مقتضى عمله أن ينبذ مذموما فمنع من ذلك تدارك نعمة ربه له فنبذ غير مذموم بل اجتباه الله وجعله من الصالحين فلا منافاة بين الآيتين.
وقد تكرر في مباحثنا السابقة أن حقيقة النعمة الولاية وعلى ذلك يتعين لقوله : (لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) معنى آخر.
قوله تعالى : (فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) تقدم توضيح معنى الاجتباء والصلاح في مباحثنا المتقدمة.
قوله تعالى : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) إن مخففة من الثقيلة ، والزلق هو الزلل ، والإزلاق الإزلال وهو الصرع كناية عن القتل والإهلاك.
والمعنى : أنه قارب الذين كفروا أن يصرعوك بأبصارهم لما سمعوا الذكر.
والمراد بإزلاقه بالأبصار وصرعه بها ـ على ما عليه عامة المفسرين ـ الإصابة بالأعين ، وهو نوع من التأثير النفساني لا دليل على نفيه عقلا وربما شوهد من الموارد ما يقبل الانطباق عليه ، وقد وردت في الروايات فلا موجب لإنكاره.
وقيل : المعنى أنهم ينظرون اليك إذا سمعوا منك الذكر الذي هو القرآن نظرا مليئا بالعداوة والبغضاء يكادون يقتلونك بحديد نظرهم.
قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) رميهم له بالجنون عندما سمعوا الذكر دليل على أن مرادهم به رمي القرآن بأنه من إلقاء الشياطين ، ولذا ردّ قولهم بأن القرآن ليس إلّا ذكرا للعالمين.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
