واعلم أن في الكلام إشعارا أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين ، ومن القرينة عليه قوله في التعليل : (لَحْمَ أَخِيهِ) فالاخوّة إنما هي بين المؤمنين.
وقوله : (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) ظاهره أنه عطف على قوله : (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ) إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب التي كانوا يقترفونها بالتوبة الى الله سبحانه فالمراد بقوله : (إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) أن الله كثير القبول للتوبة رحيم بعباده التائبين اليه اللائذين به.
وإن كان هو التجنب عنها والتورّع فيها وإن لم يكونوا يقترفونها فالمراد بقوله : (إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) أن الله كثير الرجوع الى عباده المتقين بالهداية والتوفيق والحفظ عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم».
وذلك أن التوبة من الله توبتان : توبة قبل توبة العبد بالرجوع اليه بالتوفيق للتوبة كما قال تعالى : (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (التوبة / ١١٨) ، وتوبة بعد توبة العبد بالرجوع اليه بالمغفرة وقبول التوبة كما في قوله : (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) (المائدة / ٣٩).
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) الخ ؛ الشعوب جمع شعب بالكسر فالسكون وهو على ما في المجمع الحيّ العظيم من الناس كربيعة ومضر ، والقبائل جمع قبيلة وهي دون الشعب كتميم من مضر.
وقولوه (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) استئناف مبين لما فيه الكرامة عند الله سبحانه ، وذلك أنه نبههم في صدر الآية على أن الناس بما هم ناس يساوي بعضهم بعضا لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره ، وأن الاختلاف المترائي في الخلقة من حيث الشعوب والقبائل إنما هو للتوصل به الى تعارفهم ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم إذ لا يتمّ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
