مخرج من مخارج الفم المسمى حرفا أو المركب من عدة من الحروف علامة مشيرة الى مفهوم من المفاهيم يمثل به ما يغيب عن حس السامع وإدراكه فيقدر به على إحضار أي وضع من أوضاع العالم المشهود وإن جل ما جل أو دق ما دق من موجود أو معدوم ماض أو مستقبل ، ثم على إحضار أي وضع من أوضاع المعاني غير المحسوسة التي ينالها الإنسان بفكره ولا سبيل للحس اليها يحضرها جميعا لسامعه ويمثلها لحسّه كأنه يشخصها له بأعيانها.
ولا يتم للانسان اجتماعه المدني ولا تقدم في حياته هذا التقدم الباهر إلّا بتنبهه لوضع الكلام وفتحه بذلك باب التفهيم والتفهم ، ولو لا ذلك لكان هو والحيوان العجم سواء في جمود الحياة وركودها.
ومن أقوى الدليل على أن اهتداء الإنسان الى البيان بإلهام إلهي له أصل في التكوين اختلاف اللغات باختلاف الامم والطوائف في الخصائص الروحية والأخلاق النفسانية وبحسب اختلاف المناطق الطبيعية التي يعيشون فيها ، قال تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) (الروم / ٢٢).
وليس المراد بقوله : (عَلَّمَهُ الْبَيانَ) أن الله سبحانه وضع اللغات ثم علمها الإنسان بالوحي الى نبي من الأنبياء أو بالإلهام فإن الإنسان بوقوعه في ظرف الاجتماع مندفع بالطبع الى اعتبار التفهيم والتفهم بالإشارات والأصوات وهو التكلم والنطق لا يتم له الاجتماع المدني دون ذلك.
على أن فعله تعالى هو التكوين والإيجاد والرابطة بين اللفظ ومعناه اللغوي وضعية اعتبارية لا حقيقية خارجية بل الله سبحانه خلق الإنسان وفطره فطرة تؤديه الى الاجتماع المدني ثم الى وضع اللغة بجعل اللفظ علامة للمعنى بحيث إذا ألقى اللفظ الى سامعه فكأنما يلقي اليه المعنى ثم الى وضع الخط بجعل الأشكال المخصوصة علائم للألفاظ فالخط مكمل لغرض الكلام ، وهو يمثل الكلام كما أن الكلام يمثل المعنى.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
