والإنابة الى الله ـ على ما ذكره الراغب ـ الرجوع اليه بالتوبة وإخلاص العمل وهي من النوب بمعنى رجوع الشيء مرة بعد أخرى.
والمعنى : وعلم داود أن هذه الواقعة إنما كانت امتحانا امتحناه وأنه أخطأ فاستغفر ربه ـ مما وقع منه ـ وخر منحنيا وتاب اليه.
وأكثر المفسرين تبعا للروايات على أن هؤلاء الخصم الداخلين على داود عليهالسلام كانوا ملائكة أرسلهم الله سبحانه اليه ليمتحنه وستعرف حال الروايات.
لكن خصوصيات القصة كتسورهم المحراب ودخولهم عليه دخولا غير عادي بحيث أفزعوه ، وكذا تنبهه بأنه إنما كان فتنة من الله له لا واقعة عادية ، وقوله تعالى بعد : (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) الظاهر في أن الله ابتلاه بما ابتلى لينبهه ويسدده في خلافته وحكمه بين الناس ، كل ذلك يؤيد كونهم من الملائكة وقد تمثلوا له في صورة رجال من الإنس.
وعلى هذا فالواقعة تمثل تمثل فيه الملائكة في صورة متخاصمين لأحدهما نعجة واحدة يسألها آخر له تسع وتسعون نعجة وسألوه القضاء فقال لصاحب النعجة الواحدة : (لَقَدْ ظَلَمَكَ) الخ ؛ وكان قوله عليهالسلام ـ لو كان قضاء منجّزا ـ حكما منه في ظرف التمثل كما لو كان رآهم فيما يرى النائم فقال لهم ما قال وحكم فيهم بما حكم ومن المعلوم أن لا تكليف في ظرف التمثل كما لا تكليف في عالم الرؤيا وإنما التكليف في عالمنا المشهود وهو عالم المادة ولم تقع الواقعة فيه ولا كان هناك متخاصمان ولا نعجة ولا نعاج إلا في ظرف التمثل فكانت خطيئة داود عليهالسلام في هذا الظرف من التمثل ولا تكليف هناك كخطيئة آدم عليهالسلام في الجنة من أكل الشجرة قبل الهبوط الى الأرض وتشريع الشرائع وجعل التكاليف ، واستغفاره وتوبته مما صدر منه كاستغفار آدم وتوبته مما صدر منه وقد صرح الله بخلافته في كلامه كما صرح بخلافة آدم عليهالسلام في كلامه وقد مر توضيح ذلك في قصة آدم عليهالسلام من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
