بدعوته ويدعو الى ملته وهي دين التوحيد.
فيتأيد بذلك أن المراد بالإبقاء في الآخرين هو إحياؤه تعالى دعوة نوح عليهالسلام الى التوحيد ومجاهدته في سبيل الله عصرا بعد عصر وجيلا بعد جيل الى يوم القيامة.
قوله تعالى : (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) المراد بالعالمين جميعها لكونه جمعا محلى باللام مفيدا للعموم ، والظاهر أن المراد به عالموا البشر واممهم وجماعاتهم الى يوم القيامة فإنه تحية من عند الله مباركة طيبة تهدى اليه من قبل الامم الإنسانية ما جرى فيها شيء من الخيرات اعتقادا أو عملا فانه عليهالسلام أول من انتهض لدعوة التوحيد ودحض الشرك وما يتبعه من العمل وقاسى في ذلك أشد المحنة فيما يقرب من ألف سنة لا يشاركه في ذلك أحد فله نصيب من كل خير واقع بينهم الى يوم القيامة ، ولا يوجد في كلامه تعالى سلام على هذه السعة على أحد ممن دونه.
وقيل : المراد بالعالمين عوالم الملائكة والثقلين من الجن والإنس.
قوله تعالى : (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) تعليل لما امتن عليه من الكلامة كإجابة ندائه وتنجيته وأهله من الكرب العظيم وإبقاء ذريته وتركه عليه في الآخرين والسلام عليه في العالمين ، وتشبيه جزائه بجزاء عموم المحسنين من حيث أصل الجزاء الحسن لا في خصوصياته فلا يوجب ذلك اشتراك الجميع فيما اختص به عليهالسلام وهو ظاهر.
قوله تعالى : (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) تعليل لإحسانه المدلول عليه بالجملة السابقة وذلك لأنه عليهالسلام لكونه عبدا لله بحقيقة معنى الكلمة كان لا يريد ولا يفعل إلا ما يريده الله ، ولكونه من المؤمنين حقا كان لا يرى من الاعتقاد إلا الحق وسرى ذلك الى جميع أركان وجوده ومن كان كذلك لا يصدر منه إلا الحسن الجميل فكان من المحسنين.
قوله تعالى : (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) ثم للتراخي الكلامي دون الزماني والمراد بالآخرين قومه المشركون.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
