فقوله : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) يتضمن دعوتهم الى الانفاق على الفقراء والمساكين من أموالهم وفي التعبير عن الأموال بما رزقهم الله إشعار بأن المالك لها حقيقة هو الله الذي رزقهم بها وسلطهم عليها ، وهو الذي خلق الفقراء والمساكين وأقام حاجتهم الى ما عند هؤلاء من فضل المؤن الذي لا يفتقرون اليه فلينفقوا عليهم وليحسنوا وليجملوا والله يحب الإحسان وجميل الفعل.
وقوله : (قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) جوابهم للدعوة الى الإنفاق ، وإنما أظهر القائل ـ الذين كفروا ـ ومقتضى المقام الإضمار للإشارة الى أن كفرهم بالحق وإعراضهم عنه باتباع الشهوات هو الذي دعاهم الى الاعتذار بمثل هذا العذر المبني على الإعراض عما تدعو اليه الفطرة من الشفقة على خلق الله وإصلاح ما فسد في المجتمع كما أن الإظهار في قوله : (لِلَّذِينَ آمَنُوا) للإشارة الى أن قائل (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) هم الذين آمنوا.
وفي قوله : (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) إشعار بأن المؤمنين إنما قالوا لهم : (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) بعنوان أنه مما يشاؤه الله ويريده حكما دينيا فردوه بأن إرادة الله لا تتخلف عن مراده فلو شاء أن يطعمهم أطعمهم أي وسع في رزقهم وجعلهم أغنياء.
وهذه مغالطة منهم خلطوا فيه بين الإرادة التشريعية المبنية على الابتلاء والامتحان وهداية العباد الى ما فيه صلاح حالهم في دنياهم وآخرتهم ومن الجائز أن تتخلف عن المراد بالعصيان ، وبين الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن المراد ومن المعلوم أن مشيئة الله وإرادته المتعلقة بإطعام الفقراء والإنفاق عليهم من المشيئة التشريعية دون التكوينية فتخلفها في مورد الفقراء إنما يدل على عصيان الذين كفروا وتمردهم عما أمروا به لا على عدم تعلق الإرادة به وكذب مدعيه.
وهذه مغالطة بنوا عليها جل ما افتعلوه من سنن الوثنية وقد حكى الله سبحانه ذلك عنهم
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
