شيء من هذه الصفات ولا في الأفعال المتفرعة عليها فأين الاستقلال في التدبير الذي يدعون أنه مفوض اليهم؟ فالوجود الواجبي بكماله اللامتناهي يمنع أن يكون في خلقه من يشاركه في شيء من كماله.
اللهم إلّا أن يدعوا أنه شاركهم في بعض ما له من الشؤون لتدبير خلقه من غير صلاحية لهم ذاتية وهذا ينافي حكمته تعالى.
وقد أشير الى هذه الحجة بقوله : (بل هو الله العزيز الحكيم) فإن عزته تعالى ـ وهو منع جانبه أن يعدو الى حريم كماله عاد لكونه لا يحد بحد ـ تمنع أن يشاركه في شيء من صفات كماله كالربوبية والالوهية المنتهيتين الى الذات أحد غيره هذا لو كانت الشركة عن صلاحية ذاتية من الشريك ولو كانت عن إرادة حزافية منه من غير صلاحية حقيقة من الشريك فالحكمة الإلهية تمنع ذلك.
وقد تبين بذلك أن الآية متضمنة لحجة قاطعة برهانية فأحسن التدبر فيها.
قوله تعالى : (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) قال الراغب في المفردات : الكف كف الإنسان وهي ما بها يقبض ويبسط وكففته أصبت كفه ، وكففته أصبته بالكف ودفعته بها وتعورف الكف بالدفع على أي وجه كان بالكف كان أو غيرها حتى قيل : رجل مكفوف لمن قبض بصره ، وقوله : وما أرسلناك إلّا كافة للناس أي كافا لهم عن المعاصي والهاء فيه للمبالغة كقولهم : راوية وعلامة ونسابة. انتهى.
ويؤيد هذا المعنى توصيفه صلىاللهعليهوآلهوسلم بالبشير والنذير ، فقوله : (بشيرا ونذيرا) حالان يبينان صفته لقوله : (كافة للناس).
واعلم أن منطوق الآية وإن كان راجعا الى النبوة وفيها انتقال من الكلام في التوحيد الى الكلام في النبوة على حد الآيات التالية ، لكن في مدلولها حجة أخرى على التوحيد وذلك أن
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
