وقوله : (وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ) أي اشتمل على صلاحيتها والتهيؤ للتلبس بها على ضعفه وصغر حجمه (إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) أي ظالما لنفسه جاهلا بما تعقبه هذه الأمانة لو خانها من وخيم العاقبة والهلاك الدائم.
وبمعنى أدق لكون الإنسان خاليا بحسب نفسه عن العدل والعلم قابلا للتلبس بما يفاض عليه من ذلك والارتقاء من حضيض الظلم والجهل الى أوج العدل والعلم.
والظلوم والجهول وصفان من الظلم والجهل معناهما من كان من شأنه الظلم والجهل نظير قولنا : فرس شموس ودابة جموح وماء طهور أي من شأنها ذلك كما قاله الرازي أو معناهما المبالغة في الظلم والجهل كما ذكر غيره ، والمعنى مستقيم كيفما كانا.
وقوله : (لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ) اللام للغاية أي كانت عاقبة هذا الحمل أن يعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات وذلك أن الخائن للأمانة يتظاهر في الأغلب بالصلاح والأمانة وهو النفاق وقليلا ما يتظاهر بالخيانة لها ولعل اعتبار وهذا المعنى هو الموجب لتقديم المنافقين والمنافقات في الآية على المشركين والمشركات.
وقوله : (وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) عطف على (لِيُعَذِّبَ) أي وكان عاقبة ذلك أن يتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ، والتوبة من الله هي رجوعه الى عبده بالرحمة فيرجع الى الإنسان إذا آمن به ولم يخن بالرحمة ويتولى أمره وهو ولي المؤمنين فيهديه اليه بالستر على ظلمه وجهله وتحليته بالعلم النافع والعمل الصالح لأنه غفور رحيم.
فإن قلت : ما هو المانع من جعل الأمانة بمعنى التكليف وهو الدين الحق وكون الحمل بمعنى الاستعداد والصلاحية والإباء هو فقده والعرض هو اعتبار القياس فيجري فيه حينئذ جميع ما تقدم في بيان الانطباق على الآية.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
