راجع اليه تعالى ، وقوله : (كَذلِكَ) مقول القول وهو خبر مبتدء محذوف والتقدير «هو كذلك» أي الأمر واقع على ما أخبرناك به في البشرى لا ريب فيه.
وقوله : (قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) مقول ثان لقال الأول ، وهو بمنزلة التعليل لقوله : (كَذلِكَ) يرتفع به أي استعجاب فلا يتخلف عن إرادته مراد وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ، فخلق غلام من رجل بالغ في الكبر وامرأة عاقر هيّن سهل عليه.
قوله تعالى : (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) قد تقدم في القصة من سورة آل عمران أن إلقاء البشرى الى زكريا كان بتوسط الملائكة (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى) ، وهو عليهالسلام إنما سأل الآية ليتميز به الحق من الباطل فتدله على أن ما سمعه من النداء وحي ملكي لا إلقاء شيطاني ولذلك أجيب بآية إلهية لا سبيل للشيطان اليها وهو أن لا ينطلق لسانه ثلاثة أيام إلا بذكر الله سبحانه فإن الأنبياء معصومون بعصمة إلهية ليس للشيطان أن يتصرف في نفوسهم.
فقوله : (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) سؤال لآية مميزة ، وقوله : (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) إجابة ما سأل ، وهو أن يعتقل لسانه ثلاثة أيام من غير ذكر الله وهو سويّ أي صحيح سليم من غير مرض وآفة.
فالمراد بعدم تكليم الناس عدم القدرة على تكليمهم ، من قبيل إطلام اللازم وإرادة الملزوم كناية ، والمراد بثلاث ليال ثلاث ليال بأيامها وهو شائع في الاستعمال فكان عليهالسلام يذكر الله فنون الذكر ولا يقدر على تكليم الناس إلا رمزا وإشارة ، والدليل على ذلك كله قوله تعالى في القصة من سورة آل عمران : (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) (آل عمران / ٤١).
قوله تعالى : (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قال في المجمع : وسمي المحراب محرابا لأن المتوجه اليه في صلاته كالمحارب
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
