قوله تعالى : (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) الخ. كل نعمة فإنها رحمة منه تعالى لخلقه لكن منها ما تتوسط فيه الأسباب الكونية وتعمل فيه كالنعم الظاهرية بأنواعها ، ومنها ما لا يتوسط فيه شيء منها كالنعم الباطنية من النبوة والولاية بشعبها ومقاماتها ، وتقييد الرحمة بقوله : (مِنْ عِنْدِنا) الظاهر في أنها من موهبته لا صنع لغيره فيها يعطي أنها من القسم الثاني أعني النعم الباطنية ثم اختصاص الولاية بحقيقتها به تعالى كما قال : (فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُ) (الشورى / ٩) ، وكون النبوة مما للملائكة الكرام فيه عمل كالوحي ونحوه يؤيد أن يكون المراد بقوله : (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) حيث جيىء بنون العظمة ولم يقل : من عندي هو النبوة دون الولاية ، وبهذا يتأيد تفسير من فسر الكلمة بالنبوة والله أعلم.
وأما قوله : (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) فهو أيضا كالرحمة التي من عنده علم لا صنع فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى يحصل من طريق الاكتساب والدليل على ذلك قوله : (مِنْ لَدُنَّا) فهو علم وهبي غير اكتسابي يختص به أولياءه وآخر الآيات يدل على أنه كان علما بتأويل الحوادث.
قوله تعالى : (قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) الرشد خلاف الغي وهو إصابة الصواب ، وهو في الآية مفعول له أو مفعول به ، والمعنى قال له موسى : هل اتبعك اتباعا مبنيا على هذا الأساس وهو أن تعلمني مما علمت لأرشد به أو تعلمني مما علمت أمرا ذا رشد.
قوله تعالى : (قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) نفي مؤكد لصبره عليهالسلام على شيء مما يشاهده منه في طريق التعليم والدليل عليه تأكيد الكلام بإن ، وإيراد الصبر نكرة في سياق النفي الدال على إرادة العموم ، ونفي الصبر بنفي الاستطاعة التي هي القدرة فهو آكد من أن يقال : لن تصبر ، وإيراد النفي بلن ولم يقل : لا تصبر وللفعل توقف على القدرة فهو نفي الفعل بنفي أحد أسبابه ثم نفي الصبر بنفي سبب القدرة عليه وهو إحاطة الخبر والعلم بحقيقة الواقعة
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
