وقد اشتملت الآية في نفي ولاية التدبير عن إبليس وذريته على حجتين إحداهما : أن ولاية تدبير امور شيء من الأشياء تتوقف على الإحاطة العلمية ـ بتمام معنى الكلمة ـ بتلك الامور من الجهة التي تدبر فيها وبما لذلك الشيء وتلك الامور من الروابط الداخلية والخارجية بما يبتدىء منه وما يقارنه وما ينتهي اليه والارتباط الوجودي سار بين أجزاء الكون ؛ وهؤلاء وهم إبليس وذريته لم يشهدهم الله سبحانه خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فلا كانوا شاهدين إذ قال للسماوات والأرض : كن فكانت ولا إذ قال لهم : كونوا فكانوا فهم جاهلون بحقيقة السماوات والأرض وما في أوعية وجوداتها من اسرار الخلقة حتى بحقيقة صنع أنفسهم فكيف يسعهم أن يلوا تدبير أمرها أو تدبير امر شطر منها فيكونوا آلهة وأربابا من دون الله وهم جاهلون بحقيقة خلقتها وخلقة أنفسهم.
وأما أنهم لم يشهدوا خلقها فلأن كلا منهم شيء محدود لا سبيل له الى ما وراء نفسه فغيره في غيب منه مضروب عليه الحجاب ، وهذا بين وقد أنبأ الله سبحانه عنه في مواضع من كلامه ؛ وكذا كل منهم مستور عنه شأن الاسباب التي تسبق وجوده واللواحق التي ستلحق وجوده.
وهذه حجة برهانية غير جدلية عند من أجاد النظر وأمعن في التدبر حتى لا يختلط عنده هذه الالعوبة الكاذبة التي نسميها تدبيرا بالتدبير الكوني الذي لا يلحقه خطأ ولا ضلال ، وكذا الظنون والمزاعم الواهية التي نتداولها ونركن اليها بالعلم العياني الذي هو حقيقة العلم وكذا العلم بالامور الغائبة عنا بالظفر على أماراتها الأغلبية بالعلم بالغيب الذي يتبدل به الغيب شهادة.
والثانية أن كل نوع من أنواع المخلوقات متوجه بفطرته نحو كماله المختص بنوعه وهذا ضروري عند من تتبعها وأمعن النظر في حالها فالهداية الالهية عامة للجميع كما قال : (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (طه / ٥٠) والشياطين أشرار مفسدون مضلون فتصديهم تدبير شيء من السماوات والأرض أو الإنسان ـ ولن يكون إلا بإذن من الله سبحانه ـ مؤد الى
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
