وإما أخروية وهي مقامات القرب التي اكتسبوها في حياتهم الدنيا فإنها من بركات الحياة الأرضية وهي نعيم الآخرة كما يشير اليه قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة : (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) (الزمر / ٧٤) ، وقوله : (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) (المؤمنون / ١١).
قوله تعالى : (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) البلاغ هو الكفاية ، وأيضا ما به بلوغ البغية ، وأيضا نفس البلوغ ، ومعنى الآية مستقيم على كل من المعاني الثلاثة ، والإشارة بهذا الى ما بيّن في السورة من المعارف.
والمعنى : أن فيما بيناه في السورة ـ أن الرب واحد لا رب غيره يجب أن يعبد من طريق النبوة ويستعد بذلك ليوم الحساب ، وأن جزاء المؤمنين كذا وكذا وجزاء الكافرين كيت وكيت ـ كفاية لقوم عابدين إن أخذوه وعملوا به كفاهم وبلغوا بذلك بغيتهم.
قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) أي أنك رحمة مرسلة الى الجماعات البشرية كلهم ـ والدليل عليه الجمع المحلى اللام ـ وذلك مقتضى عموم الرسالة.
وهو صلىاللهعليهوآلهوسلم رحمة لأهل الدنيا من جهة إتيانه بدين في الأخذ به سعادة أهل الدنيا في دنياهم وأخراهم.
وهو صلىاللهعليهوآلهوسلم رحمة لأهل الدنيا من حيث الآثار الحسنة التي سرت من قيامه بالدعوة الحقة في مجتمعاتهم مما يظهر ظهورا بالغا بقياس الحياة العامة البشرية اليوم الى ما قبل بعثته صلىاللهعليهوآلهوسلم وتطبيق إحدى الحياتين على الاخرى.
قوله تعالى : (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي إن الذي يوحى الى من الدين ليس إلا التوحيد وما يتفرع عليه وينحل اليه سواء كان عقيدة أو حكما والدليل على هذا الذي ذكرنا ورود الحصر وظهوره في الحصر الحقيقي.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
